تعتمد النباتات على ضوء الشمس للبقاء، لكن زيادته بشكل مفاجئ قد تصبح خطرة، إذ يمكن أن تُربك عملية التمثيل الضوئي وتلحق أضرارًا بخلايا الأوراق.
ونظرًا لعدم قدرة النباتات على الابتعاد عن أشعة الشمس، فقد طورت آليات لحماية نفسها. وتشير أبحاث حديثة إلى أنها تستجيب للتغيرات المفاجئة في الضوء بسرعة أكبر مما كان يُعتقد سابقًا.
نُشرت الدراسة في دورية Molecular Plant ، ويوضح الدكتور مارتن مور أن النباتات تستطيع إعادة برمجة إنتاج البروتينات خلال دقائق، قبل أن تبدأ التغيرات الجينية داخل نواة الخلية.
بدأ مور هذا البحث في جامعة بيليفيلد بألمانيا، ثم واصل العمل عليه في الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبرا، واكتشف فريقه آلية استجابة سريعة تبدأ قبل المسار الجيني الأبطأ.
كان الاعتقاد السائد أن البلاستيدات الخضراء تستشعر الخطر وترسل إشارات إلى نواة الخلية، التي بدورها تُفعّل الجينات الدفاعية. إلا أن هذه العملية تستغرق وقتًا أطول لأنها تتطلب إنتاج تعليمات جديدة.
وكان يُنظر إلى تصنيع البروتينات على أنه مجرد خطوة لاحقة لتنفيذ الأوامر الجينية، دون اعتبارها نقطة تحكم مستقلة.
لكن النتائج الجديدة تكشف وجود طبقة تنظيمية إضافية وسريعة، فخلال عشر دقائق فقط من التعرض لزيادة مفاجئة في الضوء، تغيّر النباتات نوعية البروتينات التي تنتجها.
وتُعد البروتينات العناصر الأساسية في الخلية، حيث يتم تصنيع كل منها وفق تعليمات محددة. وعند التعرض لضوء شديد، تعيد النباتات ترتيب أولويات هذه التعليمات.
ورغم تباطؤ معظم عمليات إنتاج البروتين، فإن مجموعة محددة منها تتسارع، وهي المسؤولة عن حماية عملية التمثيل الضوئي، وقد ثبت أن تعطيل إنتاج البروتينات يؤدي إلى زيادة الضرر الناتج عن الضوء القوي.
وتعتمد هذه الآلية على مقاطع قصيرة في بداية الشفرة الوراثية تُعرف بعلامات تنظيمية، أطلق عليها الباحثون أسماء M1 وM2 وM3 .
وتعمل هذه العلامات كمفاتيح تتحكم في مستوى إنتاج البروتين، إذ تخفضه في الضوء الضعيف وترفعه في الضوء الشديد.
ويؤدي إنزيم شائع يُعرف باسم GAPDH دورًا محوريًا في هذه العملية، حيث يرتبط بهذه العلامات في الضوء المنخفض ويمنع قراءة التعليمات، ثم ينفصل عنها عند زيادة الضوء، مما يسمح بإنتاج البروتينات بسرعة.
والمثير أن هذا الإنزيم، المعروف بدوره في معالجة السكريات، يؤدي هنا وظيفة إضافية كمُنظّم مباشر.
وترتبط هذه الآلية بالتغيرات الكيميائية داخل الخلية، حيث تؤدي زيادة الضوء إلى تغيير تركيز بعض الجزيئات، ما يؤدي إلى تحرير الإنزيم وبدء الاستجابة.
وأكدت التجارب أن هذه الاستجابة ناتجة عن الضوء وليس الحرارة، إذ لم تؤدِ زيادة الحرارة وحدها إلى النتيجة نفسها، كما تبين أن هذه الآلية موجودة في أنواع متعددة من النباتات، من الطحالب إلى الحشائش.
وفي تجربة تطبيقية، أضاف الباحثون العلامة M1 إلى جين في نبات الدخن الأخضر، ما أدى إلى زيادة إنتاج بروتين مهم في التمثيل الضوئي يُعرف باسم RIESKE بمقدار 2.3 مرة.
ولم يتغير نشاط الجين نفسه بشكل ملحوظ، ما يؤكد أن الزيادة ناتجة عن تسريع إنتاج البروتين.
وتُعد هذه النتيجة مهمة، إذ يسعى العلماء منذ فترة طويلة إلى زيادة هذا البروتين لتحسين كفاءة المحاصيل.
ولا تُلغي هذه الاستجابة السريعة المسار الجيني التقليدي، بل تُمهّد له، حيث تُحفّز البروتينات المبكرة الجينات الدفاعية لاحقًا، وبذلك تعمل الاستجابتان السريعة والبطيئة معًا لتوفير حماية فورية وتكيّف طويل الأمد.
وأشار الباحثون إلى أن هذه النتائج قد تفتح المجال لتطوير محاصيل أكثر قدرة على تحمّل الإجهاد البيئي، من خلال تعديل هذه المفاتيح الطبيعية بدلًا من تغيير الجينات.
وتأتي أهمية هذا الاكتشاف في ظل التغيرات المناخية، التي تزيد من حدة الضوء والحرارة وفترات الجفاف.
