يعتمد العلماء في قياس الاحترار المناخي على أجهزة ترمومتر تُوضع على ارتفاع بضعة أمتار فوق سطح الأرض، وبعيدًا عن أشعة الشمس المباشرة.
وتُستخدم هذه القياسات في نماذج المحاصيل، وتوقعات الجفاف، وتقييم أهداف خفض الانبعاثات ضمن الاتفاقيات الدولية. غير أن هذه الطريقة تفترض أن هذه القياسات تعكس بدقة ما تشعر به النباتات، وهو افتراض لم يعد دقيقًا بالكامل.
تكشف دراسة حديثة أن هناك فجوة متزايدة بين درجات الحرارة التي تسجلها الأجهزة وتلك التي تتعرض لها أوراق النباتات، ومن المتوقع أن تتسع هذه الفجوة بحلول نهاية القرن.
كيف تسخن النباتات؟
لا تعكس أوراق النباتات، خاصة في أعلى الغطاء النباتي المعرض للشمس، درجات حرارة الهواء المحيط بشكل مباشر، إذ تمتص الحرارة من أشعة الشمس، ثم تبرد نفسها عبر عملية “النتح”، حيث تسحب الماء من الجذور وتطلقه على شكل بخار.
لكن عندما تقل المياه أو يصبح الهواء أكثر جفافًا، تضعف هذه العملية، فتغلق النباتات مسامها للحفاظ على الماء، ما يؤدي إلى ارتفاع حرارة الأوراق فوق درجة حرارة الهواء.
دور الجفاف في زيادة الحرارة
يستخدم العلماء مصطلح “عجز ضغط البخار” (VPD) لقياس مدى قدرة الهواء على سحب الرطوبة من النباتات. وكلما زاد هذا العجز، زادت حاجة الهواء للرطوبة.
وقد شهد العالم تراجعًا في مستويات الرطوبة خلال العقود الماضية، ما أدى إلى زيادة الضغط على النباتات، وإجبارها على تقليل النتح، وبالتالي فقدان قدرتها على التبريد.
قصور في نماذج المناخ
اعتمدت الدراسة على دمج بيانات الأقمار الصناعية مع نماذج نظام الأرض، التي تحاكي الغلاف الجوي والمحيطات واليابسة.
وكشفت النتائج أن معظم هذه النماذج تقلل من تقدير ارتفاع حرارة الغطاء النباتي، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة.
فجوة حرارية متزايدة
تشير التوقعات إلى أن حرارة الغطاء النباتي سترتفع بحلول عام 2100 بمعدل يفوق حرارة الهواء بنحو 0.16 درجة مئوية.
ورغم أن هذا الرقم يبدو صغيرًا، فإنه يمثل زيادة بنسبة 16% في الفجوة الحالية، ما يعكس تغيرًا مهمًا في توازن النظم البيئية.
وتظهر أكبر الزيادات في المناطق الجافة، والمناخات المتوسطية، والغابات القريبة من حدود الإجهاد المائي.
تأثير مباشر على النباتات
تؤثر درجة الحرارة داخل الأوراق على معظم العمليات الحيوية، خاصة التمثيل الضوئي، الذي يعتمد على إنزيمات تعمل ضمن نطاق حراري محدد.
وعند ارتفاع الحرارة، تتباطأ هذه العمليات، كما يؤدي إغلاق المسام إلى تقليل دخول ثاني أكسيد الكربون، ما يضعف نمو النباتات.
تهديد لمصارف الكربون
تمتص النظم البيئية البرية نحو ثلث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية سنويًا، ما يسهم في الحد من تسارع الاحترار.
لكن ارتفاع حرارة النباتات، خاصة في المناطق الجافة، قد يؤدي إلى تراجع هذه القدرة، ما يعني تسارع تغير المناخ بوتيرة أكبر من المتوقع.
تداعيات مستقبلية
تشير الدراسة إلى ضرورة تحديث نماذج المناخ لتشمل قياس حرارة الغطاء النباتي بشكل مباشر، بدل الاعتماد على حرارة الهواء فقط.
وسيسهم ذلك في تحسين دقة التوقعات المتعلقة بالمحاصيل الزراعية، وموجات الجفاف، ودورة الكربون العالمية.
خلاصة
تكشف هذه النتائج أن النباتات تعيش واقعًا حراريًا مختلفًا عما ترصده الأجهزة، وأن هذا الاختلاف قد يحمل تداعيات كبيرة على الأمن الغذائي والمناخ العالمي.
