في قلب منشأة لإعادة التدوير قرب مدينة برمنغهام البريطانية، لا تبدو السجائر الإلكترونية مجرد مخلفات عابرة، بل أزمة بيئية وصناعية متصاعدة تُثقل كاهل القطاع بأكمله.
هنا، تقف «آنا» أمام دلو ممتلئ بأجهزة صغيرة ملوّنة، لتبدأ مهمة شاقة: تفكيك كل جهاز يدويًا، واستخراج بطارياته، وفصل مكوناته قطعةً قطعة. عملية بطيئة، لكنها ضرورية لتجنب كارثة أكبر.
رغم دخول حظر السجائر الإلكترونية أحادية الاستخدام حيّز التنفيذ منذ منتصف 2025، فإن الواقع يكشف مفارقة صادمة: أكثر من 6 ملايين جهاز وعبوة «فيب» لا تزال تُلقى أسبوعيًا في النفايات داخل المملكة المتحدة. هذا التدفق الهائل لا يضغط فقط على أنظمة إعادة التدوير، بل يحوّلها إلى نقاط اشتعال محتملة.

بطاريات الليثيوم تشعل الخطر
الخطر لا يكمن في الغلاف البلاستيكي أو النكهات الصناعية، بل في قلب هذه الأجهزة: بطاريات الليثيوم-أيون. هذه البطاريات، عند تعرضها للضغط أو الكسر خلال عمليات الجمع أو الفرز، قد تتحول إلى شرارة حريق في لحظات.
ووفق بيانات قطاع إدارة النفايات، أصبحت هذه الأجهزة المتروكة أحد أبرز مسببات الحرائق داخل مواقع إعادة التدوير.
في عام 2025 وحده، شهدت منشآت شركة «سويز» نحو 670 حريقًا، ثبت أن 368 منها ناتجة عن بطاريات أو سجائر إلكترونية، مع الاشتباه في ارتباط 176 حادثًا إضافيًا بها.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الأجهزة تقف وراء أكثر من 80% من الحرائق المسجلة، ما يضع منشآت النفايات ضمن أعلى المواقع خطورة في نظر شركات التأمين.
كيف تحولت السجائر الإلكترونية إلى عبء بيئي خطير؟
لكن جذور الأزمة أعمق من مجرد خلل في التخلص من النفايات، فبحسب خبراء الاستدامة، تكمن المشكلة في «ثقافة الاستخدام» ذاتها، فالسجائر الإلكترونية، بخلاف الأجهزة الكهربائية التقليدية، تُستهلك بوتيرة سريعة وتُعامل كمنتج قصير العمر، ما يضاعف حجمها داخل سلاسل النفايات بشكل غير مسبوق.
ولم ينجح الحظر في القضاء على المشكلة، بل أعاد تشكيلها. فبدلًا من الأجهزة الصغيرة أحادية الاستخدام، بدأت تظهر في ساحة النفايات أجهزة أكبر قابلة لإعادة الشحن، لكنها تحمل بطاريات أكبر وأكثر خطورة، ما يزيد من تعقيد عمليات الفرز ويرفع احتمالات الاشتعال.
اقتصاديًا، تتحول الأزمة إلى عبء ثقيل، إذ تُقدَّر تكلفة التعامل مع نفايات السجائر الإلكترونية بنحو مليار جنيه إسترليني سنويًا. تكلفة لا تتحملها الشركات المصنعة بقدر ما تقع على عاتق قطاع إدارة النفايات والجهات المحلية.
إعادة التدوير تحت الضغط
هذا الواقع يدفع الخبراء للمطالبة بإعادة توزيع المسؤولية، عبر فرض رسوم بيئية على المنتجين أو تطبيق نظام «الاسترداد المالي» الذي يمنح المستهلك حافزًا لإعادة الأجهزة بدل التخلص منها عشوائيًا.
وتشير التقديرات إلى أن مثل هذه الآليات قد تخفض معدلات التخلص الخاطئ بنسبة تصل إلى 90%، وتقلل بشكل كبير من مخاطر الحرائق.
ورغم توفير آلاف نقاط إعادة التدوير المخصصة في الشوارع البريطانية، لا يزال الوعي العام محدودًا، إذ يعتقد كثيرون أن التخلص من هذه الأجهزة مع النفايات المنزلية أو إعادة تدويرها بشكل تقليدي هو تصرف صحيح، بينما الواقع عكس ذلك تمامًا.
في النهاية، تبقى الصورة الأوضح داخل خطوط الفرز: عمال يفككون أجهزة صغيرة، واحدة تلو الأخرى، في سباق يومي مع خطر غير مرئي.
وبينما تتراكم «جبال الفيب» بصمت، تتكشف أزمة بيئية معقدة، عنوانها الأبرز: منتج صُمم للاستخدام السريع، لكنه يترك أثرًا طويل الأمد على البيئة والاقتصاد وسلامة العاملين.
Share
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- المشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor
- المشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky
