أخبارالتنمية المستدامة

حين يصبح الحصول على الغذاء رحلة محفوفة بالخطر.. دروس تجربة المساعدات الخاصة في غزة

المساعدات الخاصة في غزة.. تجربة تحولت إلى نموذج خطير للإغاثة تحت السيطرة العسكرية

على مدار ستة أشهر في عام 2025، عملت مؤسسة غزة الإنسانية (Gaza Humanitarian Foundation – GHF) وفق نموذج مختلف جذريًا لتوزيع الغذاء على الفلسطينيين في قطاع غزة، إذ استبدلت شبكة المساعدات الإنسانية التقليدية بنظام مركزي يعتمد على عدد محدود من نقاط التوزيع شديدة التحصين، مع الاستعانة بشركات أمنية خاصة.

ولم تكشف المؤسسة عن الجهات المانحة لها، لكنها حصلت على ما لا يقل عن 30 مليون دولار من الحكومة الأمريكية، ورفضت العديد من منظمات الإغاثة المعروفة التعاون معها، بسبب مخاوف تتعلق بالشفافية والرقابة المستقلة.

وبدلًا من توزيع المساعدات عبر مئات المواقع الإنسانية المنتشرة في أنحاء القطاع، ركزت المؤسسة عملياتها في أربعة مواقع رئيسية، ثلاثة منها داخل منطقة عسكرية في جنوب غزة، والرابع في مدينة غزة وسط القطاع، مع مشاركة متعاقدين أمنيين مسلحين في تشغيل منظومة التوزيع.

وتقول المؤسسة إنها وزعت 187 مليون وجبة، وإن تجربتها أثبتت إمكانية تقديم المساعدات إلى غزة بطريقة مختلفة، فيما أشارت تقارير إلى أن هذا النموذج أصبح حاضرًا في التصورات المرتبطة بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام.

لكن دراسة بحثية جديدة ترى أن هذا النموذج، الذي جمع بين خصخصة المساعدات وعسكرتها، ينبغي أن يمثل تحذيرًا من المخاطر التي قد تنتج عن تحويل الإغاثة الإنسانية في الأراضي المحتلة من أداة لحماية المدنيين إلى وسيلة يمكن أن ترتبط بالسيطرة عليهم.

حماية المدنيين أولًا

تخضع المساعدات الإنسانية في الأراضي المحتلة لقواعد القانون الدولي الإنساني والتزامات حقوق الإنسان، وهي قواعد لا تهدف فقط إلى إيصال الغذاء إلى المدنيين، وإنما إلى حماية الأشخاص الذين يتلقونه أيضًا.

وتفرض هذه القواعد التزامات واسعة على القوة القائمة بالاحتلال تجاه السكان المدنيين، من بينها ضمان حصولهم على الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والإمدادات الطبية، وتسهيل عمليات الإغاثة الإنسانية عندما تكون احتياجات السكان غير ملباة.

وفي المقابل، يمكن للقوة القائمة بالاحتلال تنظيم عمليات الإغاثة لأسباب أمنية مشروعة، بما في ذلك تفتيش الشحنات، والتحقق من طبيعتها الإنسانية، واتخاذ إجراءات لمنع تحويل المساعدات لأغراض عسكرية، لكن هذه الصلاحيات ليست مطلقة.

ويتعين أن تظل المساعدات الإنسانية محايدة وقائمة على الاحتياجات الإنسانية، مع معاملة المدنيين بصورة إنسانية ودون تمييز، كما ينبغي أن تتمتع عمليات الإغاثة بدرجة كافية من الاستقلال عن الأهداف السياسية والعسكرية حتى تحتفظ بطابعها الإنساني.

وهنا تبرز الإشكالية القانونية المتعلقة بالنموذج الذي اتبعته مؤسسة غزة الإنسانية.

المساعدات الخاصة في غزة

من أكثر من 400 موقع إلى 4 نقاط توزيع

قبل بدء المؤسسة عملياتها، كانت المساعدات الإنسانية توزع عبر أكثر من 400 موقع منسق من جانب الأمم المتحدة في أنحاء قطاع غزة.

لكن المؤسسة استبدلت هذه الشبكة بأربعة مواقع كبيرة لتوزيع المساعدات، وأصبح موقع هذه النقاط عاملًا حاسمًا في قدرة المدنيين على الوصول إليها.

فالسكان الموجودون جنوب وادي غزة كانوا يضطرون إلى استخدام طرق تمر عبر مناطق تنتشر فيها وحدات وقواعد عسكرية إسرائيلية شديدة التسليح، بينما واجه سكان شمال القطاع رحلات طويلة للوصول إلى مراكز التوزيع.

وكانت هذه الصعوبات أشد بالنسبة إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر، ومن بينها النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.

كما لم تكن مواعيد فتح مراكز التوزيع ثابتة في كثير من الأحيان؛ إذ كان المدنيون يتلقون أحيانًا إشعارات قبل وقت قصير جدًا من فتح الموقع، بينما كانت بعض المراكز تظل مفتوحة لفترات محدودة.

وبذلك، لم يعد الحصول على الغذاء مجرد عملية وصول إلى نقطة لتلقي المساعدات، وإنما أصبح بالنسبة إلى كثير من المدنيين رحلة محفوفة بالمخاطر.

ويشترط القانون الدولي الإنساني توزيع المساعدات وفق الاحتياجات الإنسانية. ولذلك فإن إنشاء نظام يجعل الوصول إلى الغذاء أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض الفئات الأكثر ضعفًا يثير تساؤلات حول مدى توافقه مع هذا المبدأ.

عندما تصبح المساعدات الإنسانية نشاطًا أمنيًا

اعتمد نموذج مؤسسة غزة الإنسانية بدرجة كبيرة على شركات أمنية خاصة، فقد تولت شركة Safe Reach Solutions مهام تتعلق بالأمن والخدمات اللوجستية، بينما تولت شركة UG Solutions تأمين مواقع توزيع المساعدات والتعامل المباشر مع الفلسطينيين.

وأفادت تقارير بأن بعض المتعاقدين لم تكن لديهم خبرة تُذكر في العمل الإنساني، وأنهم كانوا مسلحين، كما أشارت تقارير إلى أن قواعد الاشتباك الأولية لم تُقدم إلا بعد بدء عمليات توزيع المساعدات.

ولا يعني الاستعانة بشركات أمنية خاصة بالضرورة أن العملية الإنسانية فقدت طابعها الإنساني؛ إذ يمكن للشركات الخاصة، في بعض الحالات، حماية المدنيين، وتأمين قوافل المساعدات والمنشآت الإنسانية.

لكن الفاصل بين حماية العمليات الإنسانية وبين تولي مهام أمنية ذات طبيعة عسكرية أو حكومية يظل مهمًا للغاية.

وترى الدراسة البحثية أن أنشطة مثل السيطرة القسرية على الحشود، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وإجراءات الفحص الأمني، واستخدام القوة في البيئات المدنية، قد تتجاوز هذا الفاصل.

كما تحدثت تقارير عن مراقبة المتعاقدين لأشخاص اعتُبروا “مثيرين للشبهة”، ومشاركة معلومات مع الجيش الإسرائيلي، إلى جانب استخدام أنظمة للمراقبة والتعرف على الوجوه، وهو ما زاد من ضبابية الحدود بين تقديم المساعدات الإنسانية وتنفيذ مهام أمنية.

المدنيون دفعوا الثمن

كانت النتائج على الأرض شديدة الخطورة، فقد تحولت بعض نقاط توزيع المساعدات والطرق المؤدية إليها إلى أماكن شهدت ازدحامًا وتدافعًا وإطلاق نار.

وأفادت تقارير بمقتل وإصابة آلاف الفلسطينيين بالقرب من مواقع توزيع المساعدات وعلى طرق الوصول إليها.

وفي المقابل، اعترضت إسرائيل على أرقام الضحايا، وقالت إن إطلاق النار بالقرب من مراكز المساعدات الإنسانية محظور، باستثناء الحالات التي يجري فيها التعامل مع تهديد مباشر للحياة.

وبغض النظر عن الخلافات المتعلقة بكل حادثة على حدة، فإن السؤال الأوسع يظل قائمًا: هل تستطيع منظومة المساعدات الإنسانية تحقيق هدفها إذا كان الحصول على الغذاء يتطلب من المدنيين تعريض أنفسهم بصورة متكررة لخطر يمكن توقعه؟

فالوظيفة الأساسية لأي نظام إغاثة إنسانية هي تقليل تعرض المدنيين للخطر، وليس دفع الأشخاص الذين يعانون الجوع إلى مواجهة مخاطر إضافية للحصول على الغذاء.

المساعدات الخاصة في غزة

خصخصة المسؤولية لا تعني نقلها

تكشف تجربة مؤسسة غزة الإنسانية أيضًا عن قضية أوسع تتجاوز قطاع غزة، وهي اتجاه الحكومات إلى الاستعانة بشركات خاصة لأداء وظائف كانت تقوم بها الدول أو المنظمات الإنسانية التقليدية.

لكن إسناد مهمة إلى شركة خاصة لا يعني بالضرورة نقل المسؤولية القانونية عنها.

وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة، تظل القوة القائمة بالاحتلال مسؤولة عن معاملة المدنيين المشمولين بالحماية، بما في ذلك في الحالات التي ينفذ فيها آخرون مهام تحت سلطتها أو سيطرتها.

وبالتالي، فإن استبدال شبكة إنسانية قائمة بنظام تديره جهات خاصة لا يلغي الالتزامات الأساسية للقوة القائمة بالاحتلال تجاه سلامة المدنيين.

درس يتجاوز حدود غزة

رغم أن مؤسسة غزة الإنسانية عملت لمدة ستة أشهر فقط، فإن دلالات تجربتها قد تمتد إلى صراعات واحتلالات أخرى في المستقبل.

ويكمن الخطر في أن تتحول أنظمة المساعدات الخاصة والمسلحة إلى نموذج متكرر لتقديم الإغاثة في مناطق النزاعات.

ولا يمكن تقييم العمل الإنساني فقط من خلال كمية الغذاء التي جرى توزيعها أو عدد الوجبات التي وصلت إلى المحتاجين.

فالسؤال لا يتعلق فقط بكمية المساعدات، وإنما أيضًا بمن يستطيع الوصول إليها، والمخاطر التي يتعين عليه تحملها للحصول عليها، ومدى توزيعها وفق الاحتياجات الفعلية، وما إذا كان النظام يحمي كرامة المدنيين وحياتهم.

وعندما يصبح الوصول إلى الغذاء مرتبطًا بالمراقبة أو النقل القسري أو الاحتجاز أو التعرض للعنف، فإن الحدود الفاصلة بين المساعدة الإنسانية والسيطرة العسكرية تبدأ في التلاشي.

وقد يتعارض هذا الأمر مع قواعد القانون الدولي الإنساني، فضلًا عن أنه يتناقض مع الغاية الأساسية التي وجدت عمليات الإغاثة من أجلها: إيصال الاحتياجات الأساسية إلى المدنيين الأبرياء في مناطق الحروب بأكبر قدر ممكن من الأمان والكرامة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة