6000 سفينة يوميًا تعبر الخليج الصيني
يُعيد التوسعُ المتواصل للمدن الساحلية الكبرى تشكيلَ سواحل الكوكب، مخلفًا في كثير من الأحيان عواقبَ وخيمةً على الحياة البحرية.
وتعتمد هذه المدن العملاقة، التي تزدهر بفضل التجارة العالمية، اعتمادًا كبيرًا على النقل البحري.
لكن الحركة المستمرة للسفن عبر هذه المياه تهدد النظم البيئية البحرية، التي كانت مزدهرة في السابق دون إزعاج.
في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Marine Policy، ركز الباحثون على منطقة خليج الصين الكبرى، التي تضم غوانغدونغ وهونغ كونغ وماكاو.
تُعد هذه المنطقة، التي يسكنها نحو 86 مليون نسمة، أكبر مدينة ساحلية من حيث عدد السكان، وثاني أكبر مدينة من حيث الناتج الاقتصادي، ومع ذلك، فإن نفس المياه التي تدعم ازدهارها أصبحت الآن عرضة للخطر، مع تزايد حركة السفن وتأثيرها على الموائل البحرية الحساسة.
سفن بلا توقف.. ونظم بيئية تحت الضغط
تستضيف منطقة الخليج الكبرى يوميًا ما يقرب من 6000 سفينة، وقد أجرى المركز المشترك للاستدامة البيئية والمرونة (ENSURE) دراسة معمقة لتقييم كثافة النقل البحري في هذه المنطقة المزدحمة.
وقال الدكتور فيل دوهيرتي من جامعة إكستر:
“لقد وجدنا أن الأنواع البحرية معرضة على الأرجح لوجود مستمر للسفن”.
في المياه الضحلة، تُحرّك المراوح الرواسب، مما يزيد من عكارتها ويؤدي إلى تآكل الشواطئ، ويُعطّل التلوث الضوضائي الاتصالات بين الكائنات البحرية، بينما تُشكل الاصطدامات تهديدات مباشرة للحياة البرية ،لقد أصبحت هذه المياه، التي كانت ملاذًا آمنًا للأنواع المهددة بالانقراض، ممرات للاضطرابات المستمرة.
مناطق الحفظ البيئي تحت الحصار
كشفت الدراسة أن بعض المناطق المحمية شهدت اضطرابات في 95% من أيام الرصد، رغم وضعها القانوني كـ”مناطق حفظ”، وتظل هذه المناطق عرضة لحركة السفن، التي لا تظهر أي مؤشرات على التباطؤ.
وقال الدكتور فيليكس ليونج من الجامعة الصينية في هونج كونج: “مع استضافة هونغ كونغ وشنتشن لأكثر الموانئ ازدحامًا في العالم، فإن وتيرة النمو الاقتصادي والتنمية المتسارعة تؤثر سلبًا على النظام البيئي البحري”.
تهديدات شديدة في المياه الضحلة
ثمانون بالمائة من حركة السفن في منطقة الخليج الكبرى تحدث في المياه التي يقل عمقها عن 20 مترًا، وتؤدي الكثافة العالية في هذه المناطق إلى تفاقم التآكل، وتعطيل موائل معرضة للخطر مثل أعشاب البحر، والشعاب المرجانية، والأراضي الرطبة الساحلية.
تتركز أنشطة سفن الصيد حول الطرف الجنوبي الغربي لجزيرة لانتاو، في حين تهيمن سفن غير مخصصة للصيد على الممرات التي تربط هونج كونج بشنتشن وماكاو.
وتفوق أعداد هذه السفن أعداد سفن الصيد بنسبة تقترب من عشرة إلى واحد، مما يزيد من الضغوط على النظم البيئية البحرية.
أنواع مهددة تواجه مخاطر جديدة
تُعدّ مياه الخليج الكبرى ملاذًا حيويًا لعدة أنواع مهددة، من بينها الدلفين الأبيض الصيني وخنزير البحر عديم الزعانف، وتواجه هذه الأنواع الآن تهديدات متزايدة بفعل حركة السفن المستمرة.
وأشار الدكتور دوهيرتي:
“ببساطة، القوارب والسفن موجودة في كل مكان، طوال الوقت”.
تتأثر أيضًا أنواعٌ أخرى مُعرضة للخطر، مثل السلاحف الخضراء، وسرطانات حدوة الحصان الصينية، التي قلّصت عقود من استصلاح الأراضي من مواطنها الطبيعية.
رسم خرائط لحركة السفن.. والبيانات مقلقة
استخدم الباحثون تقنية نظام التعريف التلقائي (AIS)، القائم على الأقمار الصناعية، لرسم خريطة لحركة السفن من عام 2013 حتى 2018.
وقد كشفت البيانات عن أكثر من 5,981 سفينة تعمل يوميًا، مع أنماط مرور منظمة للسفن غير المخصصة للصيد، وتركّز سفن الصيد قرب جزيرة لانتاو، كما أظهرت النتائج تداخلاً في مسارات الفئتين، مما زاد من حدة التأثير البيئي.
ذروة موسمية تضاعف الضغط
شهدت سفن الصيد ذروةً نصف سنوية تزامنًا مع رأس السنة الصينية ووقف الصيد الصيفي، ما تسبب في موجات اضطراب بيئي مركزة.
في المقابل، حافظت السفن التجارية على نشاط ثابت طوال العام، مع ارتفاع طفيف خلال الفترات الاقتصادية المهمة.
ويؤدي هذا التدفق المستمر للسفن إلى تفاقم التأثير التراكمي، خاصةً في ظل ضعف الحماية البيئية لهذه النظم.
خطوات استراتيجية لتخفيف الأثر
شدد الدكتور ستيفن لانغ من جامعة إكستر على أن منطقة الخليج الكبرى تُعد “نموذجًا تجريبيًا مهمًا” للمدن الساحلية حول العالم.
وتشمل استراتيجيات التخفيف المقترحة:
– إعادة توجيه مسارات السفن لتجنب الموائل الحساسة
– خفض سرعة السفن لتقليل حوادث الاصطدام
– استخدام سفن أكثر هدوءًا وأقل تلويثًا
– إنشاء مناطق بحرية محمية ذات تنظيم فعال لحركة المرور
بيانات مفتوحة وصيحة تحذير
يأمل الباحثون أن تُسهم البيانات التي جُمعت في تمكين صناع السياسات من اتخاذ قرارات أكثر استنارة، ووضع أطر تُوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.
وأشار الدكتور ليونغ إلى أهمية الالتزام بالإطار العالمي للتنوع البيولوجي، لضمان الحماية المستدامة للأجيال القادمة.
التحدي العالمي: تنمية دون تدمير
يُجسّد الخليج الصيني معضلة عالمية: كيف نحمي النظم البيئية البحرية في المدن التي تُعد محركات اقتصادية؟
فرغم أن هذه المنطقة كانت يومًا ملاذًا للكائنات البحرية، فإنها تحوّلت إلى ساحة مزدحمة بحركة سفن لا تهدأ، ومع ذلك، لا يزال الأمل قائمًا. فالبيانات والتوصيات تُقدم خارطة طريق لمستقبل أكثر توازنًا، يجمع بين التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة.
