اكتشاف مذهل.. الحمام يستشعر المجال المغناطيسي للأرض عبر الأذن الداخلية

الطيور المهاجرة والسفر عبر القارات.. سر بوصلة مغناطيسية لتحديد الاتجاهات

في تجارب أُجريت على 27 حمامة بمدينة ميونيخ الألمانية، توصل باحثون إلى أن الإحساس بالمجال المغناطيسي للأرض ينشأ في الأذن الداخلية، حيث تؤدي الحركة إلى توليد إشارات كهربائية دقيقة للغاية.

وكشفت خرائط نشاط الدماغ أن هذه الإشارات تنتقل من مراكز التوازن إلى مناطق مرتبطة بالملاحة، ما يقدّم فهمًا جديدًا لكيفية عثور الطيور على طريقها.

نُشرت الدراسة في دورية «ساينس».

استشعار المجال المغناطيسي للأرض

يطلق العلماء على هذه القدرة اسم «الاستشعار المغناطيسي»، وهي القدرة على الإحساس بالمجالات المغناطيسية لتحديد الاتجاه والموقع، وتوجد لدى مجموعات حيوانية عديدة.

بالنسبة للطيور المهاجرة، توفّر هذه الإشارة الإضافية وسيلة توجيه حاسمة خلال الرحلات الطويلة، خاصة عندما تحجب السحب النجوم وتختفي المعالم الأرضية.

ولا يزال الجدل قائمًا حول موضع هذا المستشعر، إذ يجب أن تتحول المعلومات المغناطيسية إلى إشارات عصبية قبل أن يتمكن الدماغ من تفسيرها.

نظريتان رئيسيتان

تشير إحدى النظريات إلى وجود «أزواج جذرية»، وهي إلكترونات مترابطة تتأثر تفاعلاتها بالمجالات المغناطيسية داخل بروتينات حساسة للضوء تُعرف باسم الكريبتوكرومات في العين.

وبسبب اعتماد هذه البروتينات على الضوء، تُجرى العديد من التجارب المعملية تحت إضاءة خافتة لاختبار ما إذا كانت بوصلة الطيور تتغير.

أما النظرية الأخرى، فتركّز على معدن الماجنيتيت، وهو أكسيد حديد مغناطيسي طبيعي قد يؤثر في مستقبلات قريبة ويطلق إشارات عصبية.

كيف يستشعر الحمام المجال المغناطيسي؟

كشفت دراسة عام 2012 أن التكتلات الغنية بالحديد في مناقير الحمام ليست مستقبلات مغناطيسية، بل خلايا مناعية تُسمى «البلعميات» تنظف بقايا الدم القديمة.

ورغم أن هذه النتيجة لم تلغِ فكرة الماجنيتيت تمامًا، فإنها حذّرت من أن ترسّبات الحديد قد تضلل الدراسات التشريحية الدقيقة.

ومع تراجع فرضية المنقار، عاد الاهتمام إلى الأذن الداخلية، التي تربط بالفعل بين الإحساس والحركة.

يتكوّن الجهاز الدهليزي من مستقبلات توازن داخل الأذن الداخلية تتعقب حركة الرأس، ويعتمد على ثلاث قنوات نصف دائرية مملوءة بسائل.

عند دوران الرأس، يدفع السائل غطاءً هلاميًا ينحني معه، ما يسمح للدماغ بقياس سرعة الدوران.

ومنذ أكثر من قرن، اقترح العلماء أن الحركة عبر المجال المغناطيسي للأرض قد تولّد تيارات كهربائية ضعيفة داخل هذا السائل.

إشارات دماغية مبكرة

في عام 2012، سجّل باحثون نشاط خلايا عصبية منفردة في جذع دماغ الحمام تستجيب لاتجاه وقوة المجال المغناطيسي.

وتقع هذه الخلايا في النوى الدهليزية، وهي مراكز دماغية تستقبل إشارات الأذن الداخلية، ما يشير إلى أن مسارات التوازن قد تنقل معلومات مغناطيسية.

لكن تلك التسجيلات لم تحدد الخلايا المسؤولة عن بدء الإشارة، ولم تستبعد وجود مستقبلات أخرى في أماكن مختلفة.

وفي عام 2019، أشارت دراسة إلى أن الحث الكهرومغناطيسي، الناتج عن الحركة داخل مجال مغناطيسي، يحدث داخل القنوات نصف الدائرية.

وقدّر الباحثون أن حركات الرأس الطبيعية قد تولد فروق جهد كافية للتأثير في قنوات حساسة داخل خلايا الأذن، ما شكّل حلقة وصل بين الفيزياء وعلم الأحياء، لكنه احتاج إلى خريطة واضحة لمسار الإشارة في الدماغ.

إعداد التجربة المعملية

قاد الدراسة الأحدث الدكتور ديفيد كيز من جامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونيخ. واستخدم الفريق خرائط شاملة لنشاط الدماغ لدى الحمام، إلى جانب تحليل فردي لخلايا الأذن.

وفي غرفة محمية، ألغى الباحثون المجالات الخلفية، ثم ولّدوا مجالًا مغناطيسيًا بقوة 150 ميكروتسلا تم تدويره لمدة 72 دقيقة.

وصبغ الفريق أدمغة الطيور لرصد جين «سي-فوس»، الذي يشير إلى نشاط الخلايا العصبية مؤخرًا، ما جعل مسار الإحساس المغناطيسي مرئيًا.

وفي الظلام الدامس، أظهرت المناطق الدماغية نفسها نشاطًا مماثلًا، وهو ما يعارض فرضية الاعتماد على مستقبلات ضوئية في العين.

مسار الإشارة في الدماغ

نشّط التحفيز المغناطيسي النوى الدهليزية أولًا، ثم وصل إلى «الميزوباليوم»، وهي منطقة دماغية تدمج عدة حواس.

ومن هناك، ظهرت إشارات في الحُصين، مركز الذاكرة المكانية والمسارات، وهو ما يتوافق مع الملاحة بعيدة المدى.

ولم يُلاحظ تغير كبير في بقية مناطق الدماغ، ما يشير إلى دائرة محددة وليست استجابة عامة.

خلايا أذن رئيسية

داخل القنوات نصف الدائرية، تقع خلايا شعرية حسية مزودة بزُغيبات دقيقة تولّد الإشارات العصبية.

وباستخدام تسلسل الحمض النووي الريبي على مستوى الخلية الواحدة، قارن الباحثون بين أنواع هذه الخلايا.

وأظهرت إحدى الفئات كثافة عالية من قنوات الأيونات المعتمدة على الجهد الكهربائي، ما يجعلها شديدة الحساسية للتيارات المستحثة.

الحركة مقابل المغناطيسية

في الوضع الطبيعي، يؤدي دوران الرأس إلى انحناء غطاء هلامي يُعرف بالكُبيبة، مولدًا إشارات توازن.

لكن الحث الكهرومغناطيسي يضيف مدخلًا ثانيًا، إذ تدفع الحركة داخل المجال المغناطيسي الشحنات الكهربائية إلى جوانب متقابلة.

وعندما يبقى الغطاء ساكنًا بينما تتغير الشحنة عبره، قد يفسر الدماغ هذا النمط باعتباره إشارة مغناطيسية.

استشعار مغناطيسي دون ضوء

على عكس آلية الكريبتوكرومات، يعمل الحث الكهرومغناطيسي في الظلام التام، لأنه يعتمد على الحركة والتوصيل الكهربائي لا على الضوء.

ويشير ذلك إلى أن الطيور قد تمتلك أكثر من أداة مغناطيسية، وتستخدم الأنسب منها وفق الظروف المتاحة.

كما تستجيب القنوات نصف الدائرية أثناء حركات فحص الرأس، ما يسمح بأخذ عينات من الإشارات المغناطيسية أثناء استكشاف البيئة.

حدود الدراسة والتساؤلات

لا يثبت تنشيط الخلايا العصبية وحده أن الحمام يستخدم هذه الإشارات فعليًا في الطبيعة، إذ قد تتداخل المجالات المعملية مع الإشارات الطبيعية.

ويبقى السؤال: ماذا يحدث إذا جرى تعطيل هذه القنوات في الأذن؟ وهل يظل الحمام قادرًا على العودة إلى موطنه؟

وقد تعتمد أنواع أخرى من الحيوانات على آليات مختلفة، ما يعني أن الحث في الأذن الداخلية قد يفسر بعض حالات الملاحة، لا جميعها.

البحث عن مستشعرات مغناطيسية خفية

يتغير المجال المغناطيسي للأرض في شدته وميله، كما تختلف زاوية انغماسه في الأرض باختلاف خطوط العرض.

وإذا كان الجهاز الدهليزي يقرأ هذا الميل، فقد يمنح الطائر وسيلة فطرية للتمييز بين الاتجاه نحو القطب أو نحو خط الاستواء.

كما قد توفر شدة المجال مؤشرًا تقريبيًا للموقع، نظرًا لاختلاف قوتها من منطقة إلى أخرى.

والتحدي المقبل هو ربط هذه الإشارات بقرارات الملاحة الفعلية، من أول نبضة في الأذن إلى انعطافة في مسار الطيران.

ومع اختبار أنواع أخرى من الطيور والحيوانات، تشير نتائج جامعة ميونيخ إلى أن الأذن الداخلية قد تخفي مستشعرات مغناطيسية غير متوقعة.

Exit mobile version