القراءة ليست هواية فقط.. تحمي الدماغ من التدهور والخرف وتعزز الصحة النفسية

5 دقائق من الرواية قد تخفض التوتر.. دراسة تكشف فوائد القراءة للدماغ والصحة النفسية

لماذا يجب أن نقرأ أكثر؟ العلم يكشف فوائد تمتد من تحسين الذاكرة إلى حماية الدماغ

كشفت مراجعة علمية جديدة أن القراءة للمتعة لا تمثل مجرد وسيلة لقضاء أوقات الفراغ، وإنما ترتبط بمجموعة واسعة من الفوائد الصحية والمعرفية التي يمكن أن تمتد من مرحلة الطفولة وحتى الشيخوخة، بدءًا من تحسين الانتباه والذاكرة والوظائف التنفيذية، وصولًا إلى تعزيز الصحة النفسية والتعاطف مع الآخرين، وربما خفض مخاطر التدهور المعرفي والخرف.

وأبرز باحثون من جامعة كامبريدج، بالتعاون مع مؤسسة The Queen’s Reading Room، أهمية تشجيع القراءة للمتعة في مختلف المراحل العمرية، مؤكدين أن الفوائد لا تعتمد بالضرورة على نوع الكتاب الذي يقرأه الشخص، بقدر ارتباطها بالاستمتاع بعملية القراءة نفسها.

ونُشرت المراجعة في دورية Psychological Medicine، وشارك في إعدادها البروفيسورة باربرا سهاكيان والدكتورة كريستل لانجلي من قسم الطب النفسي بجامعة كامبريدج، إلى جانب فيكي بيرين، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة The Queen’s Reading Room.

وكانت سهاكيان ولانجلي قد أصدرتا في عام 2025 كتاب “Brain Boost: Healthy Habits for a Happier Life”، وخلال العمل عليه لاحظتا اتساع نطاق الفوائد المرتبطة بالقراءة للمتعة، مقابل محدودية الأبحاث التي تناولت هذا الموضوع بصورة مباشرة.

القراءة المبكرة تصنع دماغًا أكثر صحة.. فوائد تمتد إلى الأداء الدراسي والشيخوخة

القراءة في الطفولة.. فوائد تمتد إلى سنوات لاحقة

تشير نتائج الدراسات والاستطلاعات إلى تراجع مستويات القراءة بين الأطفال والمراهقين إلى أدنى مستوياتها منذ بدء تسجيل البيانات، ولا سيما بين المراهقين الذكور والأطفال من الخلفيات الاجتماعية الأقل حظًا.

ورغم ذلك، يدرك حتى الأطفال الذين يقولون إنهم الأقل استمتاعًا بالقراءة قيمتها التعليمية؛ إذ يرى نحو نصفهم تقريبًا أنها تساعدهم على تعلم كلمات ومعلومات جديدة.

ومن أقوى الأدلة على فوائد القراءة للمتعة في سن مبكرة دراسة أجراها فريق سهاكيان ولانجلي على أكثر من 10 آلاف شاب، أظهرت أن الأطفال الذين بدأوا القراءة للمتعة في وقت مبكر من حياتهم حققوا مجموعة من المزايا، شملت تحسن الانتباه والذاكرة والوظائف التنفيذية، إلى جانب ارتفاع التحصيل الأكاديمي وانخفاض مشكلات الصحة النفسية.

كما ارتبطت القراءة المبكرة بأنماط حياة أكثر صحة، من بينها الحصول على قدر أكبر من النوم وقضاء وقت أقل أمام الشاشات.

وقالت لانجلي إن هذه النتائج تجعل من الضروري بذل مزيد من الجهود لتعريف الأطفال والشباب بالقراءة، مشيرة إلى أن المفتاح يتمثل في مساعدتهم على العثور على موضوعات يستمتعون بها فعلًا.

وقد تكون القصص المصورة والروايات المصورة وسيلة مناسبة لجذب الأطفال الذين يشعرون بأن الكتب التقليدية صعبة أو مملة، إذ يمكن البدء بموضوعات مرتبطة ببرامج تلفزيونية أو ألعاب يفضلونها ثم استخدامها كمدخل إلى عالم القراءة.

الكتاب في مواجهة الخرف والتوتر.. القراءة للمتعة تعزز صحة الدماغ طوال الحياة

القراءة لا تحسن اللغة فقط

من المتوقع أن ترتبط القراءة بتحسين مهارات القراءة والكتابة، لكن فوائدها قد تمتد إلى مجالات أخرى، من بينها التحصيل في الرياضيات.

ويرجع الباحثون ذلك جزئيًا إلى اشتراك القراءة والرياضيات في عدد من العمليات المعرفية، بما في ذلك المهارات اللغوية والذاكرة والوظائف التنفيذية.

ولا تتوقف فوائد القراءة عند الأطفال والشباب؛ فقد أشارت استطلاعات إلى مجموعة واسعة من الفوائد لدى البالغين، خاصة فيما يتعلق بالصحة النفسية والرفاهية.

وترتبط القراءة بمستويات أقل من التوتر وقدرة أكبر على الاسترخاء، فضلًا عن زيادة التعاطف وفهم الآخرين، وتقبل وجهات النظر المختلفة.

القراءة ليست هواية فقط.. كيف تحسن الذاكرة والتعاطف وتقلل مخاطر الخرف؟

5 دقائق من القراءة قد تساعد على خفض التوتر

أصبحت القراءة إحدى الوسائل الأكثر شعبية للتخلص من الضغوط اليومية، إذ اختار 38% من البالغين الكتب باعتبارها وسيلتهم المفضلة للاسترخاء.

كما أشارت دراسة في علم الأعصاب كُلّفت بها مؤسسة The Queen’s Reading Room عام 2024 إلى أن قراءة الأدب الروائي لمدة 5 دقائق فقط يمكن أن تخفض مستويات التوتر بنسبة تصل إلى 20%، إلى جانب تعزيز التركيز ومهارات حل المشكلات ومساعدة القارئ على الشعور بدرجة أقل من الوحدة.

وفي أحد الاستطلاعات، قال 35% من المشاركين إنهم يلجؤون إلى الكتب للحصول على الراحة، مقارنة بـ31% اختاروا النبيذ و10% فضلوا الاستحمام بالماء الساخن.

5 دقائق من الرواية قد تخفض التوتر.. دراسة تكشف فوائد القراءة للدماغ والصحة النفسية

القراءة والدماغ المتقدم في العمر

تكتسب القراءة أهمية خاصة مع التقدم في السن، إذ تشير الأدلة إلى ارتباط الأنشطة الترفيهية المحفزة للدماغ، وعلى رأسها القراءة، بتباطؤ التدهور المعرفي وانخفاض خطر الإصابة بالخرف لدى كبار السن.

وفي دراسة شملت نحو 5500 شخص تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر، كان الأشخاص الذين يمارسون بصورة متكررة أنشطة محفزة للدماغ، من بينها القراءة، أقل عرضة بصورة ملحوظة للإصابة بالضعف المعرفي خلال فترة متابعة امتدت 5 سنوات.

كما وجدت دراسة أخرى أن قراءة الصحف والمجلات والكتب ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بمرض ألزهايمر بنسبة 33%.

ولا تعني هذه النتائج بالضرورة أن القراءة تمنع الخرف بصورة مباشرة، إذ إن غالبية الدراسات المتاحة تُظهر علاقات ارتباطية وليست إثباتًا قاطعًا للسببية، إلا أن تراكم الأدلة يشير إلى احتمال وجود تأثير وقائي يستحق مزيدًا من البحث.

ماذا يحدث داخل الدماغ أثناء القراءة؟

تقدم دراسات تصوير الدماغ بعض الأدلة حول الأسباب المحتملة لهذه الفوائد.

فقد أظهرت أبحاث وجود ارتباط بين القراءة واختلافات في بنية الدماغ، بما في ذلك زيادة أحجام بعض المناطق ومساحات القشرة الدماغية المرتبطة باللغة والتعلم وتنظيم المشاعر والتحكم التنفيذي.

كما ارتبطت القراءة بزيادة قوة الاتصالات في المادة البيضاء التي تدعم معالجة اللغة، إلى جانب زيادة سماكة القشرة في مناطق رئيسية مرتبطة بالمهارات اللغوية.

وتشير بعض الأدلة الحديثة إلى احتمال تجاوز الأمر مجرد الارتباط الإحصائي؛ فقد ظهرت تغيرات هيكلية في الدماغ بعد تدخلات تدريبية تستهدف القراءة.

وفي دراسة صغيرة شملت 11 طفلًا يعانون عسر القراءة، تراوحت أعمارهم بين 7 و11 عامًا، خضع المشاركون لبرنامج تدريبي استمر 8 أسابيع وركز على التصور العقلي والنطق وتتبع الحروف ومجموعات الحروف والكلمات.

وأدى البرنامج إلى تحسن ملحوظ في مهارات القراءة، وتزامن ذلك مع زيادة حجم المادة الرمادية في مناطق رئيسية من الدماغ.

ومع ذلك، فإن صغر حجم هذه الدراسة يجعل من الضروري التعامل مع نتائجها باعتبارها مؤشرًا يحتاج إلى تأكيد من خلال دراسات أكبر.

القراءة الجماعية تضيف بُعدًا اجتماعيًا

لا تقتصر فوائد القراءة على العلاقة الفردية بين الإنسان والكتاب، إذ يمكن أن تتضاعف بعض الفوائد عندما تصبح القراءة نشاطًا جماعيًا.

وتأسست مؤسسة The Queen’s Reading Room على وسائل التواصل الاجتماعي في يناير 2021 بهدف مشاركة توصيات الكتب وربط القراء ببعضهم خلال فترة الإغلاق، قبل أن تتحول إلى حركة عالمية تضم أكثر من 12 مليون شخص في 184 دولة.

وتستخدم المؤسسة القراءة المشتركة كأداة لدعم التعافي في أماكن مختلفة، بما في ذلك ملاجئ المشردين ودور إيواء ضحايا العنف الأسري، إلى جانب تنظيم فعاليات ومبادرات تهدف إلى إعادة القراءة إلى الحياة اليومية.

ويرى الباحثون أن التفاعل الاجتماعي المصاحب لمجموعات القراءة ونوادي الكتب قد يقدم فوائد إضافية، من خلال تقليل الشعور بالعزلة وتعزيز الاتصال بالآخرين، وهو عامل يرتبط بدوره بالصحة النفسية والجسدية، وقد يكون مهمًا بصورة خاصة في مراحل العمر المتقدمة.

وقالت سهاكيان إن مجموعات القراءة ونوادي الكتب يمكن أن تكون مناسبة لكبار السن الذين قد يواجهون صعوبة في الحركة أو المشاركة في أنشطة جماعية أخرى مثل الرياضة وركوب الدراجات، بينما تتيح لهم القراءة الجماعية نشاطًا اجتماعيًا يمكن لمعظم الناس الاستمتاع به.

القراءة ليست هواية فقط.. كيف تحسن الذاكرة والتعاطف وتقلل مخاطر الخرف؟

القراءة.. عادة بسيطة باستثمار صحي طويل الأمد

تُظهر الصورة التي ترسمها الدراسات أن القراءة للمتعة ليست نشاطًا هامشيًا أو مجرد هواية ثقافية، وإنما قد تكون عادة منخفضة التكلفة وواسعة الفوائد تجمع بين التحفيز العقلي والاسترخاء والتفاعل الاجتماعي.

ومن تحسين الانتباه والذاكرة لدى الأطفال، إلى تعزيز التعاطف وتقليل التوتر لدى البالغين، وصولًا إلى ارتباطها بانخفاض التدهور المعرفي وخطر الخرف لدى كبار السن، تبدو القراءة واحدة من الأنشطة التي يمكن أن ترافق صحة الدماغ على امتداد مراحل الحياة.

لكن الباحثين يشددون ضمنيًا على أهمية التمييز بين الارتباط والسببية، خصوصًا فيما يتعلق بالخرف وألزهايمر، إذ لا تزال هناك حاجة إلى دراسات أطول وأكثر قوة لإثبات مدى قدرة القراءة بحد ذاتها على منع هذه الأمراض.

وتبقى الرسالة الأساسية واضحة: ليس هناك عمر متأخر لبدء القراءة، والأهم هو العثور على كتاب أو قصة تجعل القراءة ممتعة وقابلة للاستمرار.

القراءة علاج للضغط النفسي؟ 5 دقائق من الخيال قد تقلل التوتر بنسبة 20%
Exit mobile version