قد يؤثر ما يتناوله الإنسان خلال النهار في جودة نومه ليلًا، إذ تشير دراسات إلى أن الأشخاص الذين يتبعون أنظمة غذائية على غرار حمية البحر المتوسط، التي تعتمد على تناول المكسرات والبقوليات بانتظام، يميلون إلى الإبلاغ عن نوم أفضل.
وتلقي مراجعة علمية جديدة الضوء على أحد هذه الأطعمة، وهو الفستق، الذي يحتوي على مجموعة من العناصر الغذائية والمركبات النباتية التي تدخل في العمليات المرتبطة بالنوم، ومن بينها مواد يستخدمها الجسم لإنتاج هرمون الميلاتونين.
ونُشرت المراجعة في مجلة «Nutrition Research Reviews».
ويرى الباحثون أن الفستق غذاء واعد لدعم النوم، لكن الأدلة المتاحة حتى الآن تستند بصورة أساسية إلى آليات بيولوجية ونتائج من دراسات سابقة، وليس إلى تجارب سريرية مباشرة على البشر تثبت أن تناول الفستق يحسن النوم.
وقالت الدكتورة ماري بيير سان أونج، المؤلفة الرئيسية للمراجعة ومديرة مركز التميز لأبحاث النوم والإيقاع اليومي في المركز الطبي بجامعة كولومبيا إيرفينج، إن الفستق يثير اهتمام الباحثين لأنه يجمع في غذاء واحد عددًا من العناصر الغذائية والمركبات النباتية المرتبطة بوظائف النوم.
وأضافت أن أهمية الفستق لا تكمن بالضرورة في عنصر واحد يمكن وصفه بأنه «مغذٍ للنوم»، وإنما في احتمال أن تؤثر مجموعة مكوناته الغذائية والفعالة حيويًا معًا في المسارات المرتبطة بالنوم.
لماذا يمكن أن يؤثر الغذاء في النوم؟
يقول نحو واحد من كل ثلاثة بالغين في الولايات المتحدة إنهم لا يحصلون على قدر كافٍ من النوم، بينما يعاني نحو ثلثي البالغين من نوع ما من مشكلات النوم.
ولا يقتصر تأثير النوم السيئ على الشعور بالإرهاق في الصباح، إذ يرتبط النوم المنتظم والجيد بانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسمنة والسكتة الدماغية.
ويُعد النظام الغذائي من العوامل التي يمكن للإنسان تغييرها بصورة يومية. وفي دراسة طويلة الأمد شملت نساء، كانت النساء اللاتي تناولن كميات أكبر من المكسرات والبقوليات أقل عرضة للإصابة بالأرق، الذي يتمثل في صعوبة الدخول في النوم أو الاستمرار فيه.
وعندما يحل الظلام، يفرز الدماغ هرمون الميلاتونين، وهو هرمون يساعد الجسم على تنظيم دورة النوم والاستيقاظ. ويصنع الجسم الميلاتونين من الحمض الأميني «التريبتوفان»، وهو أحد مكونات البروتين التي يحصل عليها الإنسان من الغذاء.
ويتحول التريبتوفان أولًا إلى السيروتونين، وهو مادة كيميائية في الدماغ، قبل أن يتحول في النهاية إلى الميلاتونين، بمساعدة المغنيسيوم وبعض فيتامينات مجموعة «ب».
كما يساهم فيتامين «B6» والمغنيسيوم في مساعدة الدماغ على إنتاج «GABA»، وهو ناقل عصبي يساعد على تهدئة نشاط الجهاز العصبي.
وأظهرت دراسات سابقة أن «GABA» قد يساعد الأشخاص على الدخول في النوم بسرعة أكبر، وزيادة نسبة الوقت الذي يقضونه في السرير وهم نائمون بالفعل.
ماذا تحتوي حفنة الفستق؟
يحتوي الفستق على كمية من التريبتوفان تفوق ما تحتويه أي مكسرات أخرى من أشجار، إذ توفر حصة تزن نحو 28 جرامًا ما يقرب من 20% من الاحتياج اليومي لشخص بالغ يزن نحو 70 كيلوجرامًا.
وتوفر الحصة نفسها ما يقرب من 40% من الاحتياج اليومي لفيتامين «B6»، وهي أيضًا أعلى نسبة بين المكسرات الشجرية.
أما المغنيسيوم، فتقدم الحصة منه نحو عُشر الاحتياج اليومي، وهي كمية تقل عن نصف ما توفره اللوز.
لكن تناول كميات إضافية من فيتامين «B6» لم يُظهر بصورة موثوقة أنه يحسن النوم في التجارب السريرية.
وفي إحدى الدراسات، تناول 12 رجلًا يتمتعون بصحة جيدة جرعة مسائية قدرها 100 مليجرام من فيتامين «B6»، وهي كمية تعادل تقريبًا ما يوجد في 200 حصة من الفستق، ولم يطرأ تغير على مستويات الميلاتونين لديهم.
ويرجح الباحثون أن يكون فيتامين «B6» أكثر أهمية بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون نقصًا فيه، وبالتالي قد يساعد الحصول عليه بصورة منتظمة من الغذاء في الحفاظ على المستويات اللازمة للعمليات الطبيعية المرتبطة بالنوم.
ومع ذلك، لم تقِس أي دراسة حتى الآن كمية فيتامين «B6» التي يمتصها الجسم فعليًا من الفستق.
هل يحتوي الفستق على الميلاتونين نفسه؟
تصنع النباتات الميلاتونين الخاص بها، إذ يؤدي هذا المركب أدوارًا تتعلق بحمايتها من الأضرار ودعم نموها.
لكن نتائج الدراسات بشأن كمية الميلاتونين الموجودة في الفستق ليست متوافقة.
فقد قاست إحدى الدراسات المختبرية كمية مرتفعة نسبيًا من الميلاتونين في الفستق الأمريكي، بينما أبلغ مصدر آخر عن كمية أقل بنحو 250 مرة.
وفقط التقدير الأعلى يضع الفستق في نطاق مشابه لبعض الأطعمة التي أظهرت تحسنًا في النوم خلال تجارب صغيرة.
وفي إحدى هذه الدراسات، تناولت 36 امرأة بعد انقطاع الطمث طماطم من نوع «بيفستيك» قبل النوم لمدة 8 أسابيع، وأنتجن كميات أكبر من الميلاتونين، كما قيمن نومهن بصورة أفضل مقارنة بالنساء اللاتي لم يتناولنها.
وفي دراسة أخرى، تناول 20 شخصًا من الشباب الأصحاء عصير الكرز الحامض مرتين يوميًا لمدة أسبوع، فارتفع لديهم إنتاج الميلاتونين وازدادت مدة النوم مقارنة بفترة تناول مشروب وهمي.
لكن الفستق لم يخضع حتى الآن لتجربة مماثلة على البشر.
وفي تجربة مخبرية حاكت عملية الهضم لدى الإنسان، أطلق الفستق الذي لا يزال يحتفظ بقشرته الورقية الرقيقة أكبر كمية من الميلاتونين النباتي.
لكن هذه النتيجة تحققت في بيئة مختبرية، ولذلك لا يزال من غير المعروف مقدار الميلاتونين الذي يمتصه جسم الإنسان فعليًا عند تناول الفستق.
بكتيريا الأمعاء قد تلعب دورًا
توفر حصة من الفستق أيضًا نحو 11% من الاحتياج اليومي من الألياف، التي تعمل بكتيريا الأمعاء على تحليلها إلى أحماض دهنية قصيرة السلسلة.
وفي اختبار مختبري شمل أنواعًا شائعة من المكسرات، أنتج الفستق أكبر كمية من هذه الأحماض.
ومن بين هذه الأحماض «البيوتيرات»، الذي ارتبط بالنوم في دراسات أجريت على الفئران. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن الفئران التي كانت أمعاؤها تنتج كميات قليلة من البيوتيرات عانت من نوم سيئ، إلى أن حصلت على كميات إضافية منه.
ووجدت دراسة أخرى أن الأشخاص الذين يعانون الأرق لديهم كميات أقل من بعض أنواع البكتيريا التي تنتج البيوتيرات.
لكن هذا الارتباط لا يوضح أيهما جاء أولًا: اضطراب النوم أم التغير في بكتيريا الأمعاء.
كما أن الفستق غني بالبوليفينولات، وهي مركبات نباتية تعمل بكتيريا الأمعاء على تفكيكها إلى جزيئات أصغر، يمكن لبعضها الوصول إلى الدماغ.
وفي تحليل شمل 10 تجارب، ساعدت البوليفينولات الأشخاص الذين يعانون مشكلات في النوم على الدخول في النوم بصورة أسرع والنوم لفترات أطول.
لكن 8 من هذه التجارب استخدمت مستخلصات مركزة، ولم تتحسن تقييمات الأشخاص الذاتية لجودة نومهم.
لماذا لا تعد هذه النتائج دليلًا قاطعًا؟
تجمع المراجعة العلمية الجديدة نتائج دراسات سابقة بدلًا من اختبار تأثير الفستق مباشرة.
كما أن معظم الأبحاث السابقة ركزت على عناصر غذائية منفردة، أو مكملات غذائية، أو حيوانات مثل الفئران، أو تجارب مختبرية، أو أطعمة أخرى، وغالبًا باستخدام جرعات تتجاوز بكثير ما يمكن الحصول عليه من حصة عادية من المكسرات.
وكانت آشلي ميكسون من كلية الطب في جورجيا بجامعة أوغوستا المؤلفة الأولى للمراجعة، بينما كانت جارا بيريز خيمينيز من معهد علوم الأغذية والتكنولوجيا والتغذية في إسبانيا المؤلفة الثالثة.
وحصل جزء من تمويل الدراسة على دعم من «American Pistachio Growers»، كما تشغل الدكتورة سان أونج مقعدًا في المجلس الاستشاري لهذه المجموعة، وألفت كتابًا بعنوان «Eat Better, Sleep Better».
ولا يتناول أقل من 40% من البالغين في الولايات المتحدة المكسرات يوميًا، وهو ما قد يجعل الدراسات واسعة النطاق غير قادرة على اكتشاف علاقة واضحة بين استهلاك المكسرات والنوم.
واقترح الباحثون إجراء دراسات في المناطق التي يستهلك سكانها المكسرات، ومنها الفستق، بصورة أكثر انتظامًا وبكميات أكبر.
الخطوة التالية.. تجارب على البشر
يريد الباحثون إجراء تجارب سريرية محكمة يحصل خلالها المشاركون على الفستق، مع قياس تأثير ذلك في نومهم.
وستحتاج هذه الدراسات أيضًا إلى تحديد كمية الفستق اللازمة لتحقيق أي تأثير محتمل، ومعرفة مقدار كل عنصر غذائي يمتصه الجسم بالفعل.
كما يرغب الباحثون في اختبار أنواع مختلفة من الفستق، ومقارنة المحاصيل القادمة من ظروف زراعية مختلفة، لقياس مستويات الميلاتونين النباتي والمركبات النباتية الأخرى فيها.
ومن شأن ذلك أن يساعد على تحديد الكمية الفعلية من هذه المركبات التي توفرها الحصة المعتادة من الفستق.
وقالت الدكتورة سان أونج إن التجارب البشرية المصممة بصورة جيدة يمكن أن تحدد ما إذا كان المزيج الفريد من العناصر الغذائية والمركبات الفعالة حيويًا في الفستق قادرًا على إحداث تغيرات قابلة للقياس في مستويات الميلاتونين أو جودة النوم أو مدته أو غيرها من مؤشرات النوم.
وحتى تقدم التجارب البشرية أدلة أقوى، يظل الفستق غذاءً واعدًا، لكنه ليس علاجًا مثبتًا لتحسين النوم.
وفي الوقت الحالي، تشير الأدلة إلى أن حصة واحدة من الفستق توفر مجموعة من العناصر الغذائية التي تدخل في إنتاج الميلاتونين والناقل العصبي المهدئ «GABA»، لكن تأثير تناول الفستق مباشرة في نوم الإنسان لا يزال بحاجة إلى إثبات علمي.
