في مخازن المتاحف حول العالم، تبقى أوانٍ وأختام فخارية موضع شك بشأن عمرها حبيسة التخزين، بدلًا من عرضها للجمهور، بعدما أصبح بإمكان المزورين التحايل على بعض الاختبارات التقليدية المستخدمة لتحديد عمر الفخار المحروق.
لكن قطعة فخارية أصلية تعود إلى العصور القديمة تحمل شيئًا لا يملكه التزييف الحديث: بصمة مغناطيسية خفية تتراكم ببطء على مدى القرون.
وقد اكتشف باحثون طريقة جديدة لقراءة هذه البصمة، تعتمد على تسخين عينة صغيرة من الفخار ومراقبة درجة الحرارة التي تختفي عندها الإشارة المغناطيسية الثانوية.
وتشير النتائج إلى أن هذه الطريقة يمكن أن تساعد في التمييز بين القطع الأثرية القديمة والتزييف الحديث، لأن الإشارة المغناطيسية تتغير ببطء أثناء بقاء الفخار في الأرض، ولا يستطيع المزور إعادة إنتاج هذه العملية بسهولة.
ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS).
والمفارقة اللافتة أن عمر القطعة يمكن أن يرتبط بدرجة الحرارة التي تفقد عندها هذه الإشارة.
فعند تسخين قطعة من فخار حديث، تختفي الإشارة قبل الوصول إلى 234 درجة فهرنهايت، أو 112 درجة مئوية.
أما قطعة من إناء فخاري أُحرق قبل أكثر من ألف عام، فتحتفظ بالإشارة حتى بعد تجاوز هذه الدرجة.
اختبار مغناطيسي يميز الفخار القديم
قاد الدراسة يواف فاكنين، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه بمؤسسة سكريبس لعلوم المحيطات في سان دييجو، بالتعاون مع عالمتي الجيوفيزياء ليزا تاوكس وجيفري جي، إضافة إلى بريندان سايك، الموجود حاليًا في جامعة ليفربول.
اختبر الفريق الفكرة على 45 قطعة فخارية معروفة العمر، وتمكن الاختبار من تصنيف جميع القطع بصورة صحيحة.
وقال فاكنين إنه يأمل أن تكون الطريقة الجديدة مفيدة لأمناء المتاحف الذين يرغبون في عرض القطع الأصلية فقط، مضيفًا أنها قد تساعد أيضًا علماء الآثار والمؤرخين في دراسة المجتمعات التي صنعت هذه القطع، وكذلك سلطات إنفاذ القانون التي تسعى إلى الحد من التجارة غير المشروعة في الآثار.
الفخار المحروق يسجل المجال المغناطيسي للأرض
يحتوي الطين على أعداد كبيرة من حبيبات صغيرة غنية بالحديد، يعمل كل منها كمغناطيس ضعيف.
وعندما يُحرق الإناء الفخاري داخل فرن، ترتفع حرارة هذه الحبيبات إلى مستوى تفقد عنده قدرتها على الاحتفاظ باتجاه مغناطيسي ثابت.
وعندما يبرد الإناء، تصطف الحبيبات مع المجال المغناطيسي للأرض في الموقع الذي كان يوجد فيه الفرن.
وتكون هذه البصمة قوية ومستقرة بدرجة تسمح لعلماء الجيوفيزياء باستخدامها منذ عقود لإعادة بناء شكل المجال المغناطيسي للأرض في الماضي.
لكن رحلة الفخار لا تنتهي بخروجه من الفرن، فبعد استخدام الإناء وانكساره، قد يقضي مئات السنين مدفونًا في الأرض، وغالبًا ما يكون في وضع مختلف تمامًا عن الوضع الذي كان عليه داخل الفرن.
وتحتفظ الحبيبات المغناطيسية الأكبر بالاتجاه الذي اكتسبته أثناء تبريد الإناء، بينما تتصرف الحبيبات الأصغر بصورة مختلفة.
فحبة تلو الأخرى، وعلى مدى مئات السنين، تبدأ هذه الحبيبات في تغيير اتجاهها لتتوافق مع المجال المغناطيسي المحيط بها، وينتج عن ذلك سجل مغناطيسي ثانٍ وأضعف، لكنه يتخذ اتجاهًا جديدًا.
وفي معظم الدراسات المغناطيسية، تُعامل هذه الإشارة الثانية باعتبارها نوعًا من الضوضاء، ولذلك تقوم المختبرات بتسخين العينات لإزالتها.
أما فريق فاكنين فاتخذ الاتجاه المعاكس تمامًا، وسأل: كم مقدار الحرارة اللازمة لإزالة هذه الإشارة؟
لماذا فقدت القطع الحديثة إشارتها أولًا؟
من بين القطع الـ45 التي اختبرها الباحثون، كانت 19 قطعة أثرية قديمة، وضمت هذه المجموعة 15 جرة تخزين ملكية يهودية وأربع قطع فخارية، وجميعها عُثر عليها خلال عمليات تنقيب أثري.
أما القطع الـ26 الأخرى فكانت حديثة الصنع، وجاءت ستة أوانٍ من فرنَين تقليديين، بينما صُنعت 16 بصمة ختم طينية في أفران كهربائية خصيصًا لهذه الدراسة، إضافة إلى أربع قطع تذكارية اشتُريت من البلدة القديمة في القدس.
أخذ الباحثون شريحة صغيرة من كل قطعة، ووضعوها في كوب خزفي صغير يقل قطره عن بوصة واحدة، ثم أدخلوها فرنًا عند درجة حرارة 122 درجة فهرنهايت، أو 50 درجة مئوية، لمدة 30 دقيقة.
بعد ذلك قاس الفريق مقدار المغناطيسية المتبقية، ثم رفع درجة حرارة الفرن بمقدار 18 درجة فهرنهايت، أو 10 درجات مئوية في كل مرة.
واستمرت العملية حتى 392 درجة فهرنهايت، أو 200 درجة مئوية، وفي بعض الحالات تجاوزت هذه الدرجة.
ثم استخدم برنامج حاسوبي لتحديد درجة الحرارة التي اختفت عندها الإشارة المغناطيسية الأحدث.
وكانت النتيجة واضحة في مجموعة الاختبار: كل قطعة حديثة فقدت إشارتها الثانية قبل 112 درجة مئوية، بينما احتفظت كل قطعة قديمة بهذه الإشارة بعد تجاوز هذه الدرجة.
المزور يستطيع تقليد الشكل.. لكنه لا يستطيع تقليد القرون
جاء الحد الفاصل المستخدم في الاختبار استنادًا إلى عمليات محاكاة حاسوبية لسلوك الحبيبات المغناطيسية خلال فترات تراوحت بين نصف عام و2500 عام.
وأظهرت محاكاة الألف عام أن الحد الفاصل يقع عند نحو 234 درجة فهرنهايت، أو 112 درجة مئوية.
وهنا تكمن قوة الطريقة، فالمزور يستطيع تقليد شكل إناء فخاري قديم، وربما يستطيع تقليد طلاءه أو حتى استخدام نوع الطين نفسه الذي استخدمه صانعو الفخار في العصور القديمة.
لكنه لا يستطيع بسهولة تقليد مئات السنين من التغير المغناطيسي البطيء الذي حدث داخل القطعة أثناء وجودها في الأرض.
ثلاث قطع مصادرة بدت أصلية
اختبر الباحثون بعد ذلك ثلاث قطع كانت أعمارها موضع شك، وكانت وحدة منع سرقة الآثار التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية قد صادرتها من تجارة الآثار غير المشروعة.
وأظهرت القطع الثلاث إشارات تتوافق مع كونها قديمة.
لكن إحدى القطع، وهي جرة صغيرة، أعطت قراءة بلغت 664 درجة فهرنهايت، أو 351 درجة مئوية، وهي درجة حرارة مرتفعة للغاية بحيث لا يمكن تفسيرها بالإشارة المغناطيسية البطيئة وحدها.
وخلص الفريق إلى أن الجرة تعرضت لتسخين جديد بعد فترة طويلة من صنعها، عند درجة حرارة تقارب 660 درجة فهرنهايت، أو 350 درجة مئوية، ما أدى إلى محو جزء من بصمة الفرن الأصلية.
وكان جزء من الجرة يحمل اسودادًا لا ينتج عادة عن حرقها داخل فرن فخاري، وهو ما يتوافق مع تعرضها لحريق في العصور القديمة.
لماذا لا تكفي الاختبارات التقليدية دائمًا؟
يُعد التألق الحراري (Thermoluminescence) من أكثر الاختبارات المختبرية شيوعًا لتأريخ الفخار المحروق.
وتقيس هذه الطريقة الوهج الضعيف الذي تطلقه مادة الطين بعد تعرضها للحرارة، نتيجة للإشعاع الذي امتصته منذ آخر مرة تعرضت فيها للحرارة.
لكن المزورين يمكنهم محاولة التحايل على الاختبار بطرق مختلفة، فيمكن، مثلًا، تعريض قطعة حديثة للإشعاع الصناعي، ما قد يجعل الاختبار يقرأها باعتبارها قديمة.
كما يمكن طحن قطعة فخارية أثرية حقيقية وتحويلها إلى مسحوق، ثم ربط المسحوق بمادة لاصقة حديثة؛ إذ يظل المسحوق محتفظًا بالجرعة الإشعاعية القديمة التي تراكمت فيه.
لكن كلتا الحيلتين تواجهان مشكلة أمام الاختبار المغناطيسي.
فالغبار الفخاري القديم الذي جرى تجميعه باستخدام مادة حديثة لم يمر في فرن واحد بوصفه قطعة متماسكة، بينما الفخار الحديث الذي تعرض للإشعاع لم يقضِ قرونًا في الأرض حتى يكتسب التغير المغناطيسي الذي تبحث عنه الطريقة الجديدة.
وهناك اختبار آخر يعرف باسم البتروجرافيا (Petrography)، ويعتمد على تحديد طبيعة الطين ومكوناته المعدنية.
لكن المزور يمكنه الالتفاف على هذا الاختبار باستخدام الطين المحلي نفسه الذي كان يستخدمه صانعو الفخار في العصور القديمة.
وترى تاوكس أن التقنية الجديدة يمكن أن تساعد المتاحف والحكومات في مواجهة المزورين بصورة أكثر فاعلية.
وأشارت إلى أن التزييف يمثل مشكلة مستمرة في إسرائيل والصين والمكسيك، وفي مناطق كثيرة حول العالم تضم مواقع أثرية، ولا سيما في الأماكن التي تنتشر فيها عمليات التنقيب غير المشروع.
قضية «عظام يعقوب» تكشف حجم المشكلة
وتشير الدراسة إلى أن قضية تزوير الآثار ليست جديدة، ففي تجربة قضائية استمرت سبع سنوات في إسرائيل، وُجهت اتهامات إلى جامع آثار وتاجر بالاشتراك في تزوير تابوت قيل إنه يعود إلى يعقوب، شقيق يسوع، إلى جانب قطع أثرية أخرى.
وفي عام 2012، برأت المحكمة المتهمين من التهم الرئيسية، بعدما لم يثبت التزوير بما يتجاوز مستوى الشك المعقول.
وتوضح مثل هذه القضايا التحديات التي تواجه المؤسسات الأثرية والقضائية عند محاولة تحديد أصالة القطع التي لا تتوافر لها سجلات موثوقة.
القطع التي يقل عمرها عن ألف عام تظل خارج نطاق الحسم
رغم النتائج الواعدة، فإن الطريقة الجديدة ليست قادرة حتى الآن على تحديد عمر جميع القطع الفخارية.
فالحد الفاصل المستخدم في الدراسة صُمم أساسًا للقطع التي يُفترض أن يكون عمرها أكثر من ألف عام.
أما القطعة الأصلية التي يقل عمرها عن ألف سنة، أو قطعة مزورة صُنعت قبل عقود أو قرون، فقد تحتاج إلى حد فاصل مختلف، ولم يحدد الباحثون هذا الحد بعد.
كما أن الحصول على قراءة قريبة من 112 درجة مئوية لا يسمح بحسم عمر القطعة.
وكانت إحدى شظايا الجرار القديمة في الدراسة قد أعطت متوسط قراءة بلغ 240 درجة فهرنهايت، أو 115.5 درجة مئوية، وهي قيمة قريبة بما يكفي من الحد الفاصل جعلت الباحثين يوصون بالتعامل معها بحذر خاص.
حتى القطعة الأصلية قد تربك الاختبار
هناك أيضًا سيناريو يمكن فيه لقطعة أثرية أصلية أن تفشل في الاختبار، فإذا ظلت قطعة فخارية مدفونة لقرون وهي تقريبًا في الاتجاه نفسه الذي كانت عليه داخل الفرن، أو إذا تعرضت لإعادة الحرق في حريق داخل مبنى ثم بقيت في مكانها، فقد يتجه السجلان المغناطيسيان القديم والجديد في الاتجاه نفسه.
وفي هذه الحالة، لن تتمكن الطريقة من التمييز بين الإشارتين.
ولهذا يؤكد الباحثون أن الاختبار الجديد لا ينبغي أن يحل محل طرق التأريخ والفحص الأثري المعروفة، وإنما يستخدم إلى جانبها.
هل تكشف الأفران عن القطع المخفية في المتاحف؟
لا تزال الإجابة عن سؤال مهم مفتوحة: كم عدد القطع الفخارية محل الشك الموجودة في مخازن المتاحف والتي تكون في الحقيقة أصلية؟
يعتزم الباحثون إخضاع مزيد من هذه القطع للاختبار الحراري-المغناطيسي، كما يأملون أن تصبح القراءات الناتجة عن الطريقة الجديدة ذات قيمة في القضايا القضائية المتعلقة بتزوير الآثار.
وإذا أثبتت التقنية فعاليتها على نطاق أوسع، فقد تضيف أداة جديدة إلى ترسانة علماء الآثار والمتاحف وسلطات مكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار، من خلال الاعتماد على سجل تشكل ببطء داخل الفخار نفسه، ولا يمكن للمزور الحديث إعادة إنتاجه بمجرد تقليد الشكل أو الطين أو الطلاء.
