مادة مائية ذكية تخزن الطاقة الشمسية لأشهر وتطلقها في الظلام ثم تعيد شحن نفسها تلقائيًا
في خطوة قد تمثل تحولًا كبيرًا في تقنيات تخزين الطاقة المتجددة، نجح علماء من جامعة نورث وسترن الأمريكية في تطوير مادة سائلة مبتكرة تستطيع امتصاص الطاقة وتخزينها واستخدامها عند الحاجة داخل نظام واحد متكامل، قبل أن تعود تلقائيًا إلى حالتها الأصلية لتُعاد شحنها من جديد.
وتجمع المادة الجديدة بين خصائص البطاريات التقليدية والأنظمة الحيوية الحية، حيث يمكنها تخزين الطاقة لفترات طويلة، وإطلاقها لتشغيل التفاعلات الكيميائية حتى في غياب الضوء، ثم إعادة ضبط نفسها بمجرد تعرضها للأكسجين الموجود في الهواء.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Chem العلمية، حيث وصف الباحثون هذا الابتكار بأنه أول مادة معروفة تستطيع تخزين الطاقة من خلال إعادة بناء بنيتها الجزيئية ذاتيًا أثناء عملية الشحن والتفريغ.
مستوحاة من الخلايا الحية
استلهم الفريق البحثي تصميم المادة من الهيكل الخلوي الموجود داخل الكائنات الحية، وهو شبكة ديناميكية تمنح الخلايا شكلها وتساعدها على الحركة والانقسام وإعادة تنظيم نفسها باستمرار.
وعلى عكس الهياكل العظمية الصلبة لدى الحيوانات، يتميز الهيكل الخلوي بقدرته الدائمة على البناء والتفكيك وإعادة البناء وفق احتياجات الخلية.
وبالطريقة نفسها، صُممت المادة الجديدة بحيث تتجمع جزيئاتها وتتفكك مرارًا أثناء تخزين الطاقة وإطلاقها، لكن بدلًا من الاعتماد على الوقود الحيوي، تعمل المادة بواسطة الإلكترونات التي يتم الحصول عليها من مصادر طاقة مختلفة تشمل ضوء الشمس والكهرباء والأشعة السينية وغيرها.
من سائل أصفر إلى هلام أسود
تبدأ المادة في صورة سائل أصفر اللون، لكن بمجرد امتصاصها للطاقة تتحول إلى هلام أسود غني بالإلكترونات وقادر على الاحتفاظ بالطاقة المخزنة لأشهر عديدة.
وعندما يحتاج المستخدم إلى هذه الطاقة، يمكن للهلام إطلاقها لتغذية تفاعلات كيميائية مختلفة بطريقة مشابهة لسحب الكهرباء من البطارية.
وبعد انتهاء عملية التفريغ، يكفي تعريض المادة للهواء حتى يتفاعل الأكسجين معها ويعيدها تدريجيًا إلى حالتها الأصلية كسائل أصفر، لتصبح جاهزة لدورة شحن جديدة.
ويؤكد الباحثون أن هذه العملية يمكن تكرارها مرات عديدة دون الحاجة إلى معادن ثقيلة أو مكونات بلاستيكية معقدة كما هو الحال في العديد من تقنيات تخزين الطاقة الحالية.
ثلاث وظائف في مادة واحدة
لطالما اعتمدت أنظمة الطاقة التقليدية على فصل عمليات جمع الطاقة وتخزينها واستخدامها في أجهزة مختلفة. فعلى سبيل المثال، تلتقط الألواح الشمسية الطاقة، بينما تتولى البطاريات مهمة تخزينها، ثم تستخدمها الأجهزة لاحقًا.
أما المادة الجديدة فتدمج هذه الوظائف الثلاث في منصة واحدة، وهو ما قد يسهم في تبسيط أنظمة الطاقة وتقليل تكلفتها وتعقيدها.
واعتمد الباحثون في تطوير المادة على ما يعرف بالمواد فوق الجزيئية، وهي مواد تستطيع تنظيم نفسها تلقائيًا لتكوين هياكل أكثر تعقيدًا.
وصمم الفريق جزيئًا جديدًا أطلق عليه اسم ANI-MV يتكون من وحدتين رئيسيتين: الأولى تستجيب للضوء وتلتقط الطاقة، والثانية متخصصة في تخزين الإلكترونات.
وعندما تمتص الوحدة الأولى الطاقة، تنقل الإلكترونات إلى الوحدة الثانية، ما يؤدي إلى تراكم الشحنات داخل المادة وتكوين تراكيب نانوية موصلة للكهرباء.
ومع استمرار هذه العملية تتشابك التراكيب النانوية لتشكيل هلام أسود قادر على تخزين الطاقة داخل شبكة جزيئية مترابطة.
تشغيل التفاعلات الكيميائية في الظلام
ومن أبرز النتائج التي توصل إليها الباحثون قدرة المادة على تنفيذ ما يُعرف بـ«التحفيز الضوئي المظلم».
ففي التجارب المعملية تمكن الهلام المشحون من نقل الطاقة المخزنة إلى جزيئات الأكسجين، ما أدى إلى إنتاج مركبات عالية النشاط الكيميائي قادرة على تشغيل تفاعلات مختلفة في غياب الضوء تمامًا.
ويمثل ذلك تطورًا مهمًا مقارنة بالمواد التقليدية المعتمدة على الضوء، والتي تتوقف فعاليتها بمجرد اختفاء مصدر الإضاءة.
وأوضح الباحث الرئيسي للدراسة، صامويل ستوب، أن معظم المواد الضوئية تتوقف عن العمل عند انقطاع الضوء، بينما تسمح المادة الجديدة بتخزين الطاقة أولًا ثم استخدامها لاحقًا عند الحاجة، حتى في البيئات المظلمة.
مرونة كبيرة ومجالات استخدام واسعة
وأظهرت الاختبارات أن المادة تحتفظ بخصائصها بغض النظر عن مصدر الطاقة المستخدم في شحنها، سواء كان الضوء أو الكهرباء أو الوقود الكيميائي أو الأشعة السينية.
وفي جميع الحالات كانت المادة تتحول من سائل أصفر إلى هلام أسود موصل للكهرباء وغني بالطاقة، ثم تعود إلى شكلها الأصلي عند تعرضها للهواء.
كما تتيح إمكانية التحكم الضوئي في عملية التحول إنشاء أنماط موصلة للكهرباء على المستوى المجهري، تختفي لاحقًا عند إعادة ضبط المادة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تطوير إلكترونيات مرنة وقابلة للبرمجة ذاتيًا.
بديل نظيف للبطاريات التقليدية
يرى الباحثون أن المادة الجديدة تمتلك إمكانات واسعة في مجالات الطاقة النظيفة ومعالجة التلوث البيئي والإلكترونيات اللينة والمواد الذكية القابلة للتكيف.
ويشير الفريق إلى أن جرامًا واحدًا فقط من هذه المادة قد يكون قادرًا على تخزين كمية من الطاقة تكفي لشحن ساعة ذكية أو جهاز إلكتروني قابل للارتداء.
ويؤكد الباحثون أن أحد أهم مزايا النظام الجديد أنه يعمل بالكامل داخل وسط مائي، ولا يحتاج إلى معادن نادرة أو مكونات بلاستيكية، ما يجعله أكثر استدامة وصداقة للبيئة مقارنة بالبطاريات التقليدية.
ويأتي هذا التطور في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بإيجاد حلول فعالة لتخزين الطاقة الشمسية، التي تُنتج بكميات هائلة خلال ساعات النهار بينما يظل التحدي الأكبر هو الاحتفاظ بها لاستخدامها عند الحاجة.
ويرى العلماء أن الجمع بين جمع الطاقة وتخزينها وإطلاقها داخل مادة واحدة قابلة لإعادة الاستخدام قد يمهد الطريق أمام جيل جديد من تقنيات الطاقة المتجددة الأكثر كفاءة ومرونة واستدامة.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة Chem، لتضيف خطوة جديدة نحو تطوير مواد ذكية قادرة على محاكاة بعض خصائص الأنظمة الحية، وفي الوقت نفسه تقديم حلول عملية لأحد أكبر التحديات التي تواجه مستقبل الطاقة النظيفة.
