كشفت دراسة علمية واسعة النطاق أن الفقر والتمييز الاجتماعي وعدم المساواة قد يسهمون في تسريع الشيخوخة البيولوجية للجسم، ما يجعل الأفراد يتقدمون في العمر بيولوجيًا بوتيرة أسرع من أعمارهم الزمنية الفعلية.
وأجرى الدراسة فريق من الباحثين ضمن مجموعة “بيوسوشيال” بقيادة الدكتورة لوريل رافينغتون في معهد ماكس بلانك للتنمية البشرية في برلين، بالتعاون مع باحثين من جامعة كولومبيا، بهدف تحديد أكثر أدوات قياس الشيخوخة البيولوجية قدرة على رصد تأثير الظروف الاجتماعية والاقتصادية على صحة الإنسان.
واعتمد الباحثون على ما يُعرف بـ”الساعات الجينية اللاجينية” أو Epigenetic Clocks، وهي أدوات تقيس التغيرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي بمرور الزمن، وتُستخدم لتقدير العمر البيولوجي للفرد من خلال عينات الدم أو اللعاب.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Human Behaviour العلمية.
وتعمل هذه الساعات عبر تحليل العلامات الكيميائية المرتبطة بالحمض النووي، والتي تتحكم في تشغيل الجينات أو تعطيلها، حيث تتغير أنماط هذه العلامات تدريجيًا مع التقدم في العمر.
وأوضحت الدراسة أن الأجيال الأولى من هذه الساعات صُممت أساسًا لتقدير العمر الزمني للأشخاص، لكنها لم تكن فعالة في قياس التأثيرات الصحية المرتبطة بالظروف المعيشية والاجتماعية.
في المقابل، أثبتت الأجيال الأحدث، مثل ساعة GrimAge وأداة DunedinPACE، قدرة أكبر على رصد التأثيرات البيولوجية للفقر والضغوط الاجتماعية، لأنها طُورت اعتمادًا على بيانات مرتبطة بالأمراض والوفيات وسرعة التدهور الصحي الفعلي.
وشملت الدراسة تحليل نتائج 140 دراسة علمية ضمت نحو 66 ألف شخص من 23 دولة، تتراوح أعمارهم بين حديثي الولادة ومن تجاوزوا الثمانين عامًا، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي تناولت العلاقة بين الوضع الاجتماعي والاقتصادي والشيخوخة البيولوجية.
وكشفت النتائج أن انخفاض الدخل ومستوى التعليم والمؤشرات الأخرى المرتبطة بالوضع الاجتماعي والاقتصادي ارتبطت بشكل متكرر بتسارع الشيخوخة البيولوجية، بغض النظر عن الجنس أو نوع الأنسجة التي جرى تحليلها.
كما أظهرت الدراسة أن آثار الحرمان الاقتصادي تبدأ في وقت مبكر جدًا من الحياة. فقد سجل الأطفال المنتمون إلى أسر منخفضة الدخل معدلات أسرع للشيخوخة البيولوجية مقارنة بأقرانهم، اعتمادًا على عينات اللعاب والدم التي جُمعت خلال مرحلة الطفولة.
ولم تقتصر التأثيرات على سنوات الطفولة، إذ تبين أن الأشخاص الذين نشأوا في بيئات فقيرة ظلوا يحملون آثارًا بيولوجية لهذه الظروف حتى بعد عقود من الزمن، ما يشير إلى أن التجارب المبكرة تترك بصمات طويلة الأمد على الجسم.
وتدعم هذه النتائج دراسات سابقة أظهرت أن التعرض للحرمان الشديد في مراحل مبكرة من الحياة، بما في ذلك أثناء الحمل، قد يؤدي إلى تسارع الشيخوخة البيولوجية في مراحل متقدمة من العمر.
كما فحص الباحثون الفوارق بين المجموعات العرقية والإثنية في الولايات المتحدة، حيث أظهرت الساعات الجينية المرتبطة بالصحة والبقاء على قيد الحياة أن المشاركين السود سجلوا معدلات شيخوخة أسرع مقارنة بالمشاركين البيض من العمر نفسه.
في المقابل، لم تُظهر الساعات القديمة التي تركز فقط على العمر الزمني هذه الفوارق بوضوح، بل أشارت بعض النتائج إلى اتجاه معاكس.
ويرى الباحثون أن هذه الاختلافات تعكس تأثيرات الضغوط المزمنة وعدم المساواة في فرص الحصول على الرعاية الصحية والموارد الاجتماعية، وليس عوامل وراثية أو بيولوجية مرتبطة بالأصول العرقية.
وأكدت الدراسة أن استخدام الساعات البيولوجية الحديثة قد يمنح صناع السياسات وأخصائيي الصحة العامة أداة جديدة لتقييم فعالية البرامج الاجتماعية والاقتصادية، مثل برامج الدعم المالي وتحسين التعليم والرعاية الصحية.
وأشار الباحثون إلى أن هذه الأدوات قد تتيح قياس تأثير السياسات خلال سنوات قليلة فقط، بدلًا من انتظار ظهور الأمراض المزمنة أو معدلات الوفيات التي قد تستغرق عقودًا حتى تتضح نتائجها.
وخلصت الدراسة إلى أن الساعات البيولوجية الحديثة، وخاصة تلك التي تقيس سرعة الشيخوخة الفعلية، تُعد الأكثر قدرة على رصد آثار عدم المساواة الاجتماعية في جسم الإنسان، ما يجعلها أداة واعدة لفهم العلاقة بين الظروف المعيشية والصحة على المدى الطويل.
