هرمونات نباتية قد تمهد لـ«ثورة خضراء» جديدة في الزراعة المستدامة
اكتشاف علمي يعزز مقاومة المحاصيل للأمراض دون خفض الغلة الزراعية
اكتشاف علمي يعيد التوازن بين النمو والمناعة في النباتات
تواجه النباتات يوميًا تحديات متعددة نتيجة التعرض للأمراض والآفات، حيث تلجأ إلى تنشيط نظامها المناعي للدفاع عن نفسها، غير أن هذه الاستجابة الدفاعية غالبًا ما تأتي على حساب النمو، إذ يؤدي تفعيل آليات الحماية إلى تباطؤ عملية النمو وانخفاض الإنتاجية الزراعية.
ويمثل هذا التوازن الدقيق بين النمو والدفاع أحد أبرز التحديات التي تواجه المزارعين، خاصة في ظل الحاجة إلى إنتاج محاصيل غذائية قوية وصحية لتلبية الطلب العالمي المتزايد على الغذاء.
وفي هذا السياق، توصل باحثون من Colorado State University إلى آلية جديدة تساعد النباتات على الحفاظ على قدرتها الدفاعية ضد الأمراض دون التضحية بالنمو، وهو ما قد يسهم في تحسين إنتاج الغذاء على مستوى العالم.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في دورية Current Biology العلمية.

جهاز مناعي للنباتات وتأثيره على الإنتاج
تمتلك النباتات نظامًا دفاعيًا طبيعيًا يمكّنها من مواجهة مسببات الأمراض والحشرات، حيث تقوم بإفراز مجموعة من الهرمونات التي تساعدها على البقاء.
لكن عند تنشيط هذا النظام الدفاعي، تُعيد النباتات توزيع مواردها الداخلية لتوجيه الطاقة نحو مقاومة التهديدات، مما يقلل من الطاقة المتاحة للنمو والتطور.
وبالنسبة للمحاصيل الغذائية الرئيسية مثل القمح والذرة وفول الصويا، فإن أي تباطؤ في النمو قد يؤدي إلى انخفاض الغلة الزراعية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الإمدادات الغذائية.
تعديل السلوك الهرموني للنبات
ركز الفريق البحثي، بقيادة الأستاذ المشارك كريس أرجيسو، على دراسة كيفية تحقيق النباتات للتوازن بين النمو والدفاع، من خلال تعديل استجابة الهرمونات النباتية في حالات الإجهاد المرضي.
ففي الظروف الطبيعية، ترتفع مستويات الهرمونات الدفاعية عند تعرض النبات للإصابة، بينما تنخفض هرمونات النمو في الوقت ذاته، ما يخلق حالة من الصراع الداخلي تُعرف علميًا بمفاضلة النمو والدفاع.

نموذج نباتي لفهم الاستجابة المناعية
لاختبار هذه الفرضية، استخدم الباحثون نبات Arabidopsis thaliana المعروف باسم رشاد أذن الفأر، وهو أحد النماذج النباتية الشائعة في الدراسات العلمية نظرًا لفهم العلماء الجيد لتركيبته البيولوجية.
وقد تم العمل على نباتات تحمل طفرة مناعية ذاتية تؤدي إلى بقاء الجهاز المناعي في حالة نشاط دائم، وهي حالة تشبه اضطرابات المناعة الذاتية لدى البشر، ما يسبب ضعف النمو بشكل ملحوظ.
ومن خلال ضبط مستويات بعض الهرمونات بعناية، تمكن العلماء من استعادة قدرة هذه النباتات على النمو دون التأثير على مقاومتها للأمراض، بل وأظهرت النباتات المعدلة تحسنًا في قدرتها الدفاعية.
نحو ثورة خضراء أكثر استدامة
يشير هذا الاكتشاف إلى إمكانية تطوير محاصيل زراعية قادرة على مقاومة الأمراض بشكل طبيعي مع الحفاظ على مستويات إنتاج مرتفعة، وهو ما قد يقلل من الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيميائية.
ويأمل الباحثون، أن يسهم هذا النهج في تحقيق تحسينات زراعية أكثر استدامة مقارنة بتلك التي صاحبت Green Revolution، والتي رغم نجاحها في زيادة الإنتاج الغذائي عالميًا، ارتبطت بزيادة استخدام المدخلات الكيميائية وتأثيرات بيئية سلبية.

دور السيتوكينينات في تعزيز النمو
تعتمد النباتات في استجابتها البيئية على هرمونات تُعرف باسم الهرمونات النباتية أو “الفيتوهرمونات”، والتي تعمل بمثابة منظومة تنظيمية تتحكم في النمو والتطور والدفاع.
ومن بين هذه الهرمونات، تلعب السيتوكينينات دورًا رئيسيًا في تنظيم انقسام الخلايا وتعزيز النمو. وعند إصابة النبات، تنخفض مستويات هذه الهرمونات للسماح بتوجيه الطاقة نحو الدفاع.
وفي الدراسة، تمكن العلماء من إعادة التوازن إلى مستويات السيتوكينينات في النباتات ذات الجهاز المناعي المفرط النشاط، ما أدى إلى استئناف النمو مع الحفاظ على مقاومة قوية للأمراض.
آفاق التطبيق الزراعي
تتمثل الخطوة التالية في تطبيق هذه النتائج على محاصيل غذائية رئيسية مثل القمح والذرة وفول الصويا. وإذا أثبتت التجارب نجاحها، فقد يتمكن المزارعون من زراعة محاصيل تجمع بين مقاومة الأمراض والإنتاجية المرتفعة، مع تقليل الاعتماد على المعالجات الكيميائية.





