الري المحوري يغيّر ملامح الجنوب الليبي ضمن خطة “رؤية 2030”
مشروع الدبوات الزراعي.. ليبيا تُراهن على الزراعة الصحراوية لتحقيق الأمن الغذائي
في ليبيا، ما إن ترتفع الطائرة فوق بعض مناطق الجنوب، حتى تظهر للعين أنماط هندسية دقيقة وسط الصحراء.
هذه الأنماط ليست سوى دوائر خضراء وأخرى باهتة، تمثل مشاهد مألوفة لمشاريع الزراعة الحديثة في المناطق القاحلة.
لكن ما هذه الدوائر تحديدًا؟
ما الدوائر الزراعية؟
هي أحد أبرز تطبيقات تقنية الري المحوري الحديثة في ليبيا، وتحديدًا ضمن مشروع “الدبوات الزراعي”، الذي يعتمد على تقنيات زراعية متطورة بهدف توسيع المساحات الصالحة للاستغلال في المناطق الصحراوية.
وتغطي الدوائر الزراعية الحالية في المشروع، الواقع في منطقة وادي الشاطئ جنوب غرب البلاد، نحو 4900 هكتار موزعة على 12 دائرة مخصصة لزراعة القمح، والشعير، والبرسيم الحيواني.
وتستهدف الخطط المستقبلية رفع عدد الدوائر إلى 500 بنهاية العام الحالي، وصولًا إلى ألف دائرة ضمن رؤية ليبيا 2030.
لكن يظل التساؤل قائمًا: هل تُعد هذه التقنية مجدية في مناخ قاحل؟ وما مدى تكلفتها مقارنة بغيرها؟ وهل تمتلك ليبيا منظومة تصنيع وتسويق تدعم منتجات هذه الدوائر وتلبي حاجة السوق المحلي؟

مشاريع زراعية واعدة
يؤكد مدير الجهاز الوطني للتنمية، محمود الفرجاني، أن المشروع يسعى لتحريك عجلة الاقتصاد عبر خلق فرص عمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وتنشيط قطاعات النقل والتخزين والتوزيع.
وأشار إلى وجود أكثر من 100 دائرة زراعية قيد التنفيذ أو التخطيط، تُخصص نسبة كبيرة منها للمناطق الجنوبية، التي تعاني نقصًا حادًا في فرص التنمية.
من جهته، يرى أستاذ المحاصيل الزراعية في جامعة عمر المختار بمدينة البيضاء، أحمد بوهدمة، أن هذه المشاريع تلعب دورًا محوريًا في تعزيز إنتاج القمح والشعير وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ما يدعم الأمن الغذائي.
ويضيف أن هذه الدوائر تفتح فرصًا للعمل وتحسين مستوى معيشة المزارعين من خلال رفع الإنتاجية وتأمين مصادر دخل مستدامة، مما يساهم في إنعاش الاقتصاد المحلي.

تمكين الزراعة والأمن الغذائي
المحلل الاقتصادي محمد دريميش أوضح أن السنوات الأخيرة شهدت اهتمامًا متزايدًا بزراعة القمح والشعير والبرسيم، لكنه حذر من استمرار الانقسام المؤسسي الذي يحول دون وجود إحصاءات دقيقة لحجم الإنتاج والتصدير، فضلًا عن غياب التنسيق بين وزارتي الزراعة والاقتصاد.
ورغم هذه العقبات، تُغطي ليبيا حاليًا ما بين 60% إلى 75% من احتياجاتها من المحاصيل الأساسية، وفقًا لدريميش، الذي يرى أن الاستخدام الفعّال لنحو 40–45% من الإمكانيات المتاحة كفيل بتحقيق الاكتفاء الذاتي.
من جانبه، أكد الفرجاني أن الجهاز الوطني للتنمية يسعى حاليًا لتغطية جزء كبير من الطلب المحلي على القمح، والشعير، والبطاطا، والطماطم، مع رفع كفاءة الإنتاج وتوسيع التغطية تدريجيًا.
وأشار إلى أن الخطط تعتمد على دعم سلاسل القيمة وتحسين جودة المنتجات الزراعية، فضلًا عن توفير مخازن استراتيجية وتقديم حوافز للمنتجين المحليين لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
تحديات بيئية وتقنية
رغم المؤشرات الإيجابية، حذر بوهدمة من تحديات بيئية وتقنية تواجه أنظمة الري المحوري، أبرزها ندرة المياه.
فالأنظمة تعتمد على المياه الجوفية التي تتعرض للاستنزاف بسبب الضخ المفرط دون تجدد طبيعي كافٍ.
كما أشار إلى أن تكلفة إنشاء وصيانة هذه الأنظمة عالية، إضافة إلى اعتمادها على الطاقة الكهربائية، ما يضيف عبئًا على الشبكة المحلية.
ورغم كفاءة هذه الأنظمة التي تتراوح بين 85% و95%، فإن فعاليتها تعتمد على عوامل عدة أبرزها التصميم، ونوعية التربة، والمناخ.
مسار الاستدامة
بوهدمة دعا إلى تبني إستراتيجية شاملة لإدارة المياه الجوفية، تقوم على مراقبة مستويات الخزان الجوفي وتحديد حصص دقيقة لكل مشروع.
كما شدد على أهمية استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، وتطوير شبكات الصرف الزراعي، لتقليل تراكم الأملاح والتدهور البنيوي للتربة.
وأوصى باستخدام تقنيات إدارة ملوحة التربة مثل الغسيل الدوري، وإضافة محسنات عضوية، إلى جانب اتباع الدورات الزراعية وتدوير المحاصيل للحفاظ على خصوبة التربة.
وأكد أن اختيار أصناف نباتية مقاومة للجفاف والملوحة يُعد عنصرًا حاسمًا لنجاح هذه المشاريع.
كما طالب بأن تلعب وزارة الزراعة ومراكز البحوث الزراعية دورًا فاعلًا في وضع السياسات وتشجيع الممارسات المستدامة، بما يدعم الاكتفاء الذاتي وتحقيق الأمن الغذائي في ليبيا.





