يتزايد توجه المزارعين في كينيا ودول شرق أفريقيا نحو المكافحة المتكاملة للآفات باعتبارها بديلًا أكثر استدامة للاعتماد المكثف على المبيدات الكيميائية، في ظل تصاعد المخاوف بشأن تأثير هذه المواد في صحة الإنسان والتنوع البيولوجي والبيئة، إلى جانب ارتفاع تكاليف استخدامها وتزايد مقاومة الآفات لها.
وتقدم تجربة المزارعة الكينية فيليس ندوڤا نموذجًا لهذا التحول، بعدما دفعتها الخسائر الكبيرة التي تعرض لها محصولها إلى البحث عن طرق جديدة لحماية مزرعتها.
على مدار نحو 20 عامًا، زرعت ندوڤا، البالغة من العمر 72 عامًا، أشجار المانجو والحمضيات في منطقة ووتي بمقاطعة ماكويني شرقي كينيا. وكانت في بداية تجربتها الزراعية تعتمد بصورة أساسية على المبيدات الكيميائية لمواجهة ذباب الفاكهة وغيره من الآفات المعتادة.
لكن الوضع تغير عام 2014 مع ظهور عثة الترميز الكاذب، وهي آفة صغيرة بنية اللون تسببت في أضرار واسعة للمحاصيل في جنوب أفريقيا، قبل أن تظهر في كينيا عام 2007.
ولم تكن لدى ندوڤا أو المزارعين المحيطين بها معلومات كافية حول كيفية التعامل مع انتشار هذه الآفة في بساتينها الممتدة على مساحة 8 هكتارات، لذلك لجأت إلى الحل التقليدي: زيادة استخدام المبيدات.
إلا أن المبيدات لم تحقق النتيجة المطلوبة.
وتقول ندوڤا إن المزارعين حاولوا البحث عن حلول، لكنهم لم يجدوا المعلومات الكافية، ولذلك واصلوا استخدام المبيدات المتاحة في الأسواق، رغم عدم فعاليتها.
ومع تزايد انتشار الآفة، كثفت ندوڤا عمليات الرش، لكنها خسرت في عام 2016 أكثر من 60% من محصولها.
كانت تلك اللحظة نقطة تحول دفعتها إلى البحث عن بدائل، والتعرف على مفهوم المكافحة المتكاملة للآفات (IPM)، الذي يقوم على تقليل استخدام المبيدات ودمج مجموعة من الوسائل لمكافحة الآفات، من بينها المصائد، والأعداء الطبيعيون للآفات، والنظافة الزراعية، والاستخدام المحدود والانتقائي للمبيدات عند الضرورة.
من المبيدات إلى المصائد الشمسية
بدأت ندوڤا بتجربة بسيطة من خلال وضع مصائد لذباب الفاكهة في أنحاء مزرعتها.
ورغم أن هذه الخطوة حققت نتائج أولية، فإن حجم الإصابة كان كبيرًا، ما دفعها إلى تطبيق مجموعة أوسع من تقنيات المكافحة المتكاملة.
وشملت هذه التقنيات استخدام مصائد شمسية ليلية، إلى جانب ما يعرف باسم أكياس الأوغمنتوريوم (Augmentorium)، وهي أكياس تستخدم لجمع الثمار المصابة وعزلها لمنع الآفات من مواصلة دورة التكاثر، وبالتالي الحد من انتشارها في المواسم التالية.
وترى ندوڤا أن الانتقال من المبيدات الكيميائية إلى المكافحة المتكاملة لم يكن مجرد قرار زراعي، وإنما كان قرارًا مرتبطًا بحماية البيئة وصحة أسرتها والمستهلكين.
وأوضحت أن المزارعين كانوا في السابق يتركون الثمار المصابة في الحقل، وهو ما كان يسمح للآفات بمواصلة التكاثر، بينما أصبحت المزرعة تعتمد حاليًا على أساليب تسمح بمكافحة الآفات مع حماية المحصول والبيئة في الوقت نفسه.
ارتفاع عالمي في استخدام المبيدات
تأتي هذه التجربة في وقت يشهد فيه استخدام المبيدات الزراعية ارتفاعًا عالميًا.
وبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، بلغ إجمالي استخدام المبيدات في الزراعة عالميًا خلال عام 2024 نحو 3.92 مليون طن من المواد الفعالة، بزيادة قدرها 5% مقارنة بعام 2023، و18% خلال عقد، وأكثر من الضعف مقارنة بمستويات عام 1990.
وفي كينيا، ارتفعت واردات المبيدات بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، من نحو 6400 طن عام 2015 إلى أكثر من 15.6 ألف طن عام 2019، بينما يقدر إنفاق المزارعين في البلاد على المبيدات بنحو 70 مليون دولار سنويًا.
وتشير بيانات ودراسات إلى أن نحو 63% من المبيدات المستخدمة في كينيا مصنفة على أنها شديدة الخطورة، بينما تحتوي 44% منها على مواد فعالة محظورة في الاتحاد الأوروبي.
ولا تقتصر المخاطر على صحة المزارعين والمستهلكين، إذ تمتد إلى النظم البيئية.
فقد رصدت دراسة نُشرت عام 2025 وجود 56 نوعًا مختلفًا من المبيدات في النظم المائية المحيطة ببحيرة نيفاشا في كينيا، بينما ربطت دراسة منشورة في دورية Nature Sustainability عام 2024 بين ارتفاع استخدام بعض المبيدات، ومنها البيرثرويدات والنيونيكوتينويدات، والتراجع الواسع في أعداد النحل البري.
تغير المناخ يزيد ضغط الآفات
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع تأثيرات تغير المناخ على الزراعة.
وأظهرت دراسة نُشرت عام 2026 في Journal of Environmental Management أن اضطراب المناخ يؤدي إلى زيادة الضغط الذي تفرضه الآفات على المحاصيل، وهو ما يدفع صغار المزارعين إلى زيادة الاعتماد على المبيدات لمواجهة الخسائر المحتملة.
وهذا يخلق حلقة متكررة: ارتفاع درجات الحرارة وتغير الظروف المناخية يزيدان ضغوط الآفات، ما يدفع إلى مزيد من استخدام المبيدات، وهو ما يفاقم بدوره المخاطر البيئية والصحية.
ومن هنا تكتسب المكافحة المتكاملة للآفات أهمية خاصة باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد المزارعين على التكيف مع تغير المناخ، دون الاعتماد الكامل على الحلول الكيميائية.
خسائر أقل.. ومحصول أعلى قيمة
لم تكن نتائج تجربة ندوڤا بيئية فقط، بل انعكست أيضًا على اقتصاد مزرعتها.
فبعد تطبيق أساليب المكافحة المتكاملة، تراجعت نسبة خسائر محصولها إلى أقل من 20%، كما عادت الملقحات إلى المزرعة، وهو ما ساهم في تحسين جودة الثمار.
كما أصبحت قادرة على حصاد وبيع ثمارها فور استعداد المشترين، دون الحاجة إلى الالتزام بفترات سحب إلزامية مرتبطة باستخدام المبيدات الكيميائية.
وتحصل ثمارها المزروعة بالأساليب العضوية على سعر يصل إلى نحو 400 شلن كيني للكيلوغرام، مقارنة بنحو 50 شلنًا للكيلوغرام للثمار المعالجة بالمبيدات، وفقًا للمادة.
وأصبح الجزء الأكبر من إنتاج مزرعتها يُشترى من شركات وسيطة بغرض التصدير.
وترى ندوڤا أن هذا النظام يمنح المزارعين مرونة أكبر ويحسن القدرة على تسويق المنتجات، إلى جانب توفير ثمار أكثر أمانًا للمستهلكين.
المزارعون في شرق أفريقيا يتجهون إلى المكافحة المتكاملة
لا تقتصر هذه التجربة على مزارعة واحدة.
ففي كينيا وأوغندا وتنزانيا، بدأ عدد متزايد من مزارعي البستنة في تبني أساليب المكافحة المتكاملة، بالتزامن مع تشديد الأسواق الخارجية لقواعدها المتعلقة بمستويات بقايا المبيدات في المنتجات الزراعية.
كما يجري تبني هذا النهج في دول مثل البرازيل والهند، بينما تدعمه الحكومة الصينية ضمن سياساتها الزراعية.
وفي مقاطعة ماكويني الكينية، تقوم ندوڤا نفسها بتدريب مزارعين آخرين على هذه الأساليب، حيث تبنى نحو 600 مزارع في المقاطعة ممارسات المكافحة المتكاملة.
لكن الانتشار لا يزال متفاوتًا.
وتقول جوزفين ماكومبي، مسؤولة الزراعة في منطقة ووتي/نزيو، إن نحو 3 من كل 10 مزارعين في منطقتها تبنوا بالفعل بعض ممارسات المكافحة المتكاملة.
التكلفة.. العقبة أمام التوسع
رغم الفوائد البيئية والاقتصادية، تظل تكلفة بعض الأدوات عائقًا أمام صغار المزارعين.
ويبلغ سعر كيس الأوغمنتوريوم نحو 6000 شلن كيني، بينما تبلغ تكلفة مصيدة ذباب الفاكهة نحو 350 شلنًا، ويحتاج المزارع إلى أربع مصائد على الأقل لكل فدان.
وبالنسبة إلى صغار المزارعين، فإن هذه التكاليف الأولية قد تمثل عائقًا أمام الانتقال من الزراعة التقليدية إلى أنظمة مكافحة أكثر استدامة.
لكن السلطات المحلية بدأت في توزيع بعض هذه الأدوات مجانًا للمزارعين، في محاولة لتوسيع نطاق تبني الممارسات الجديدة.
«الرش يجب أن يكون الخيار الأخير»
ويؤكد كيلفن موسيوكي، البالغ من العمر 29 عامًا، وهو مختص بصحة النبات تلقى تدريبًا من المركز الدولي للزراعة والعلوم البيولوجية (CABI)، أن التحول نحو الزراعة الأقل اعتمادًا على المواد الكيميائية لا يتعلق فقط بمكافحة الآفات، وإنما يرتبط أيضًا بأمن الغذاء وسلامة المنتجات الزراعية.
ويقول موسيوكي إن ظهور آفة في المحصول لا يعني تلقائيًا ضرورة اللجوء إلى المبيدات، مشيرًا إلى وجود وسائل بيولوجية وممارسات زراعية وثقافية يمكن استخدامها لمواجهة الآفات.
«ليس كلما رأيت آفة ترش المبيد.. هناك وسائل بيولوجية وممارسات زراعية، ويجب أن يكون الرش هو الخيار الأخير».
وتعكس تجربة مزارعي كينيا تحولًا أوسع في مفهوم مكافحة الآفات، من الاعتماد على الحل الكيميائي السريع إلى منظومة تجمع بين الوقاية والمراقبة والمصائد والحلول البيولوجية والممارسات الزراعية، مع استخدام المبيدات عند الضرورة فقط.
ومع استمرار ارتفاع استخدام المبيدات عالميًا وتصاعد تأثيرات تغير المناخ على الإنتاج الزراعي، تبدو المكافحة المتكاملة للآفات واحدة من الأدوات التي يمكن أن تساعد المزارعين على حماية المحاصيل، وخفض التكلفة والمخاطر الصحية، والحفاظ على الملقحات والتنوع البيولوجي، مع تحسين فرص الوصول إلى الأسواق التي تفرض معايير أكثر صرامة على سلامة الغذاء.
