مع ارتفاع درجات الحرارة بسبب تغير المناخ، بدأت الخنافس والفراشات والعث وغيرها من الحشرات في التحرك إلى أعلى سفوح الجبال، بحثًا عن الظروف الأكثر برودة التي تكيفت معها عبر تاريخها التطوري.
لكن الصعود إلى المرتفعات لا يعني بالضرورة العثور على ملاذ آمن، فكلما ارتفعت الحشرات، أصبح الهواء أكثر رقة وانخفض ضغط الأكسجين، ما قد يفرض قيودًا غير متوقعة على قدرتها على البقاء والطيران والنمو.
وعلى عكس الإنسان ومعظم الفقاريات، لا تمتلك الحشرات رئات تضخ الهواء إلى داخل الجسم. فهي تحصل على الأكسجين من خلال فتحات صغيرة على جانبي الجسم، تتصل بشبكة متفرعة من الأنابيب الهوائية، من دون وجود مضخة تنفسية بالمعنى المعتاد.
وقد أصبح انتقال الحشرات إلى أعلى مع ارتفاع درجات الحرارة ظاهرة موثقة بشكل متزايد. ففي مراجعة علمية نُشرت عام 2025، جُمعت نتائج 25 دراسة شملت 83 نوعًا من الحشرات الألبية، ووجد الباحثون أن معظم الأنواع غيّرت نطاق انتشارها نحو المرتفعات.
وفي جبال الألب السويسرية، على سبيل المثال، تحركت الفراشات الجبلية إلى أعلى بما يتوافق تقريبًا مع معدل الاحترار المحلي.
الصعود إلى أعلى قد لا يكون الحل
عاد علماء أحياء من جامعة مونتانا إلى عقود من التجارب المنشورة حول كيفية تعامل الحشرات مع انخفاض الأكسجين والضغط الجوي.
ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Functional Ecology، ولم تتضمن الدراسة الجديدة تجارب مباشرة على حشرات داخل غرف ضغط أو بيئات منخفضة الأكسجين، بل جمع الباحثون القياسات التي أنتجتها مختبرات مختلفة سابقًا، ثم أسقطوها على الارتفاعات الحقيقية في الجبال.
والنتيجة تشير إلى مشكلة محتملة بالنسبة للحشرات التي تطير أو تنمو بسرعة، وقال آرت وودز، الذي قاد المراجعة، إن الصعود إلى المرتفعات يُنظر إليه عادة باعتباره “صمام هروب” للحيوانات من ارتفاع درجات الحرارة، لكن ذلك قد لا يكون الحل الذي يأمله العلماء.
الحشرات الساكنة تستطيع التنفس على ارتفاعات شاهقة
لكل حشرة مستوى معينًا من ضغط الأكسجين تبدأ عنده وظائفها في التراجع.
وبالنسبة للحشرات الساكنة أو الخاملة، يكون هذا الحد منخفضًا للغاية، ويتراوح عادة بين 1 و5 كيلوباسكال.
ولا ينخفض الأكسجين في الهواء إلى هذه المستويات إلا عند ارتفاع يقارب 26 ألف قدم، أو 8 آلاف متر، وهو أعلى من جميع القمم الجبلية في العالم تقريبًا باستثناء عدد قليل منها.
لكن الحشرة الطائرة أو اليرقة سريعة النمو تمثل حالة مختلفة تمامًا، فمعظم الحدود المسجلة لهذه المراحل النشطة من حياة الحشرات تقع بين 12 و18 كيلوباسكال، مع تجمع كبير للبيانات حول مستوى يبلغ نحو 15.5 كيلوباسكال.
ويتوافق هذا المستوى تقريبًا مع ارتفاع 8200 قدم، أو 2500 متر، أي أعلى بنحو مرة ونصف من مستوى سطح البحر في مدينة دنفر الأمريكية.
ويمتد النطاق الكامل المسجل من نحو 5900 إلى 13,800 قدم، أي من 1800 إلى 4200 متر، وهي ارتفاعات توجد فيها أعداد كبيرة من الحشرات بالفعل.
ولا تستطيع جماعة من الحشرات الاعتماد فقط على قدرتها على البقاء خلال مراحل السكون؛ إذ يتعين على جميع مراحل دورة حياتها أن تكون قادرة على العمل والبقاء في الموقع نفسه.
الهواء الرقيق يجعل الطيران أكثر كلفة
يعتمد الرفع الذي يحافظ على الحشرة في الهواء على كثافة الهواء، ولذلك تحتاج الحشرة التي تطير على ارتفاعات كبيرة إلى بذل جهد أكبر بجناحيها حتى تظل محلقة.
وفي إحدى التجارب، وُضعت نحلات الأوركيد في خليط من الهيليوم والأكسجين، بحيث أصبحت كثافة الغاز مماثلة تقريبًا للهواء على ارتفاع يتراوح بين 29,500 و31,200 قدم، أي 9000 و9500 متر.
ورغم ذلك تمكنت النحلات من التحليق في مكانها.
لكن الحفاظ على هذا التحليق تطلب طاقة ميكانيكية إضافية تراوحت بين 38 و50%، وتمكنت الحشرات من تحقيق ذلك من خلال تحريك أجنحتها ضمن قوس أوسع.
ودفعت النحلات الحفارة الثمن نفسه بصورة متزايدة مع الارتفاع.
فقد ظل معدل الأيض المرتبط بالطيران لديها قريبًا من 400 واط لكل كيلوجرام حتى ارتفاع يقارب 5900 قدم، أو 1800 متر.
لكن عندما أصبحت كثافة الهواء مماثلة تقريبًا لما يوجد قرب ارتفاع 24 ألف قدم، أو 7300 متر، ارتفع معدل الأيض بنحو 70%.
ويبدو أن بعض الحشرات تعاملت مع هذه المشكلة من خلال تغيرات في بنيتها.
ففي دراسة شملت 302 نوعًا من اليعاسيب عام 2023، وجد الباحثون أن الحجم النسبي للأجنحة يزداد مع الارتفاع.
وفي المقابل، تخلت أنواع أخرى عن الطيران تمامًا، وهو ما يساعد على تفسير الانتشار المتكرر للأجنحة القصيرة والأشكال عديمة الأجنحة على المنحدرات الجبلية المرتفعة.
فقدان الماء مشكلة ثانية
لا تتعلق المشكلة بالأكسجين وحده.
فكل نفس تأخذه الحشرة يمكن أن يؤدي إلى فقدان الماء، لأن إدخال الأكسجين يتطلب تعريض أسطح رطبة للهواء الجاف.
وعندما توسع الحشرة فتحات التنفس لتعويض انخفاض الأكسجين في الهواء الرقيق، تزداد كمية الماء التي تفقدها عبر هذه الفتحات.
وفي تجربة على نحل العسل الطائر، فقدت الحشرات الموجودة في ظروف منخفضة الأكسجين الماء بمعدل أسرع بنحو 40% مقارنة بالنحل الذي يعيش عند مستويات الأكسجين الطبيعية.
لكن درجة الحرارة تحدد مدى خطورة فقدان الماء، والمفارقة أن التأثير ليس بالضرورة في الاتجاه المتوقع.
فالهواء البارد يستطيع الاحتفاظ بكمية أقل من الماء، لكن الحشرة الباردة الموجودة على ارتفاع كبير يكون لديها أيضًا ضغط بخار ماء داخلي أقل، ولذلك قد تفقد الماء ببطء أكبر من حشرة دافئة على الارتفاع نفسه.
وتظهر المشكلة بوضوح أكبر عندما تضطر الحشرة إلى رفع درجة حرارة جسمها.
فالنحل الطنان يشغل عضلات الطيران عند درجة حرارة تتراوح بين 86 و104 درجات فهرنهايت، أي 30 و40 درجة مئوية، حتى عندما تكون درجة حرارة الهواء المحيط أقل من 59 درجة فهرنهايت، أو 15 درجة مئوية.
ونمذج وودز وزملاؤه هذه الحالة.
ووجدوا أن حشرة تحافظ على درجة حرارة جسم تبلغ 95 درجة فهرنهايت، أو 35 درجة مئوية، على ارتفاع 13,100 قدم، أو 4000 متر، يمكن أن تفقد الماء بمعدل يزيد بنحو 7 مرات على معدل فقدانه لدى حشرة ساكنة تكون درجة حرارة جسمها مساوية لدرجة حرارة الهواء البالغة 41 درجة فهرنهايت، أو 5 درجات مئوية.
وتكون المشكلة أكثر حدة بالنسبة إلى الكائنات التي لا تملك مجالًا للشرب لتعويض المياه المفقودة.
ومن بين هذه الكائنات البيوض والعذارى، التي قد تبقى في مكانها لأشهر طويلة.
يرقات الحشرات المائية قد تكون الأكثر تعرضًا للخطر
تقضي حشرات مثل ذباب مايو، وذباب الحجارة، ويرقات اليعاسيب الجزء الأكبر من دورة حياتها تحت الماء، والحصول على الأكسجين في الماء أصعب بكثير منه في الهواء.
وعند جمع تأثيرات كيفية ذوبان الأكسجين وانتقاله في الماء مع انخفاض الضغط الجوي عند الارتفاعات العالية، يمكن أن تصبح كمية الأكسجين المتاحة للحشرات المائية محدودة بصورة أكبر.
كما أن الهواء الرقيق لا يوفر حتى الميزة الصغيرة التي يوفرها للحشرات البرية.
فانخفاض الضغط الجوي يمكن أن يسرّع انتقال الأكسجين عبر الأنابيب الهوائية المملوءة بالهواء لدى الحشرات البرية، لكن هذه الميزة تختفي تحت الماء.
ويظهر اختلاف آخر عند مقارنة قدرة الحشرات البرية والمائية على تحمل الحرارة.
فبالنسبة إلى الحشرات البرية، وجدت المراجعة أدلة محدودة على أن انخفاض الأكسجين في الجبال يخفض درجة الحرارة التي تتوقف عندها الحشرة عن أداء وظائفها.
أما بالنسبة إلى الحشرات المائية، فالأدلة أقوى بكثير، وتشير أبحاث أجريت في الجداول المرتفعة بجبال الأنديز إلى أن الأكسجين يساعد بالفعل في تحديد الأنواع القادرة على العيش في مواقع معينة.
معظم التجارب أجريت على حشرات من المناطق المنخفضة
يعترف الباحثون بأكبر نقطة ضعف في البيانات المستخدمة بوضوح.
فمعظم حدود تحمل نقص الأكسجين التي استند إليها التحليل جاءت من حشرات تعيش في ارتفاعات منخفضة، أو من حشرات رُبيت في ظروف منخفضة الارتفاع.
وهذا أمر مهم لأن الحشرات تستطيع إعادة بناء أنابيبها التنفسية استجابة لانخفاض الأكسجين.
وبالتالي، قد تكون الجماعات التي عاشت لأجيال في المرتفعات قادرة على العمل عند مستويات أكسجين أقل مما تشير إليه الأرقام المستخلصة من تجارب المختبر.
ولهذا يطالب وودز وزملاؤه بإجراء مقارنات مباشرة بين جماعات من النوع نفسه تعيش طبيعيًا على ارتفاعات مختلفة.
كما أن معظم التجارب المستخدمة في المراجعة استمرت دقائق أو ساعات أو أيامًا فقط.
لكن يرقة تقضي عامين في جدول مائي على ارتفاع كبير تواجه ظروفًا طويلة الأمد لا تستطيع تلك التجارب القصيرة التقاط تأثيراتها كاملة.
وفي تجربة أجريت عام 2019، وُزعت مجموعات من خنافس الصفصاف بين ارتفاع 12,500 قدم، أو 3800 متر، وارتفاع 4100 قدم، أو 1250 مترًا، مع الحفاظ على درجات الحرارة والإضاءة متقاربة في الموقعين.
وأظهرت النتائج أن اليرقات الموجودة على الارتفاع الأعلى نمت بمعدل أبطأ.
الحشرات الطائرة البالغة هي السؤال الأكبر
إذا كانت إحدى مراحل دورة حياة الحشرة هي التي تحدد مدى قدرة النوع على الصعود إلى الجبال، فإن المراجعة تشير إلى أن الحشرة البالغة الطائرة قد تكون الحلقة الأكثر حساسية، ولا سيما الأنثى التي تحمل عددًا كبيرًا من البيوض.
فهذه الأنثى تمتلك أعلى معدل أيض بالنسبة إلى حجم جسمها، وأعلى حمل على الأجنحة، كما تحافظ على صدر أكثر دفئًا بكثير من الهواء المحيط بها.
لكن العلماء لا يعرفون حتى الآن إلى أي مدى استطاعت الجماعات الجبلية بالفعل التكيف مع هذه التحديات.
ويرى وودز وزملاؤه أن هناك ثلاثة أسئلة رئيسية تحتاج إلى مزيد من البحث: كيف يؤثر الارتفاع في قدرة الحشرات البالغة على الطيران، وكيف تؤثر أشهر أو سنوات من التعرض للهواء الرقيق في المراحل بطيئة النمو، وكيف تختلف الحشرات المائية عن الحشرات البرية في قدرتها على التعامل مع هذه الظروف؟
ولا تقتصر أهمية هذه الأسئلة على الحشرات نفسها.
فالنحل والذباب وغيرهما من الحشرات تؤدي دورًا رئيسيًا في تلقيح المحاصيل الموجودة أسفل خط الأشجار، بينما تتراجع أعداد الحشرات بالفعل في مناطق لا تمارس فيها الزراعة تقريبًا.
وفي إحدى المروج الجبلية المرتفعة في ولاية كولورادو الأمريكية، انخفضت أعداد الحشرات بأكثر من 70% خلال 20 عامًا.
وبالتالي، فإن انتقال الحشرات إلى أعلى الجبال مع ارتفاع حرارة المناخ قد يكون جزءًا من استجابتها للتغير الحراري، لكنه ليس بالضرورة طريقًا مفتوحًا بلا حدود.
فكلما ارتفعت، يتغير عالمها الفيزيائي أيضًا: أكسجين أقل، هواء أكثر رقة، تكلفة أكبر للطيران، ومخاطر متزايدة لفقدان الماء.
