أكد خبراء في الصحة العامة والتخطيط الحضري أن موجات الحر الشديدة أصبحت أزمة صحية متنامية تهدد المدن حول العالم، مشيرين إلى أن استخدام البيانات المحلية لتحديد الفئات والمناطق الأكثر عرضة للخطر يمكن أن يسهم في إنقاذ الأرواح وتقليل معدلات الاستشفاء والوفيات.
وجاءت هذه الدعوات بالتزامن مع موجة حر غير مسبوقة شهدتها أوروبا الغربية خلال انعقاد أحد أكبر التجمعات المناخية في لندن، حيث أصدرت أكثر من عشر دول تحذيرات عاجلة من ارتفاع درجات الحرارة، فيما سجلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 1300 وفاة إضافية مرتبطة بالحر الشديد.
وفي العاصمة البريطانية، تجاوزت درجات الحرارة 36 درجة مئوية، وأغلقت بعض المدارس أبوابها مبكرًا، بينما أعلنت السلطات أول خطة رسمية للتعامل مع موجات الحر، في خطوة اعتبرها الخبراء ضرورية لمواجهة التهديدات المناخية المتزايدة.
ويحذر الباحثون من أن الحرارة الشديدة باتت تمثل أزمة صحية عالمية، إذ تتسبب في وفاة نحو 500 ألف شخص سنويًا. ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتزايد الظواهر المناخية المتطرفة، من المتوقع أن ترتفع أعداد الوفيات والإصابات المرتبطة بالحر ما لم تتخذ المدن إجراءات أكثر فاعلية.
وأوضح الخبراء أن التأثيرات الصحية للحرارة تختلف بشكل كبير بين المدن والمناطق وحتى داخل المدينة الواحدة، ما يجعل الاعتماد على متوسطات درجات الحرارة وحدها غير كافٍ لتحديد حجم المخاطر الفعلية.
وتظهر الدراسات أن العمر، ومستوى الدخل، وتوافر المساحات الخضراء، وإمكانية الوصول إلى وسائل التبريد، كلها عوامل تؤثر في قدرة السكان على تحمل الحرارة. كما أن كبار السن والأطفال والفئات محدودة الدخل يُعدون الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية المرتبطة بموجات الحر.
وفي البرازيل، كشفت أبحاث أن خطر الوفاة يزداد بنسبة 25% في مدينة بورتو أليغري عند درجة حرارة تبلغ 27 درجة مئوية، بينما لا تمثل الدرجة نفسها خطرًا مماثلًا في مدينة تيريزينا الاستوائية، التي اعتاد سكانها درجات حرارة مرتفعة على مدار العام. ويعكس ذلك أهمية فهم الخصائص المناخية والديموغرافية لكل منطقة عند وضع خطط التكيف.
ويؤكد الباحثون أن الخطوة الأولى تتمثل في تطوير أنظمة محلية لرصد العلاقة بين الحرارة والصحة العامة، بما يسمح بتحديد مستويات الخطر بدقة أكبر. كما يمكن استخدام هذه البيانات في تصميم أنظمة إنذار مبكر تستهدف الفئات الأكثر هشاشة وتساعد السلطات الصحية والخدمية على الاستعداد لموجات الحر قبل وقوعها.
وتُعد مدينة ريو دي جانيرو من أبرز الأمثلة في هذا المجال، إذ أطلقت عام 2024 نظامًا للإنذار الحراري يعتمد على خمسة مستويات مختلفة، تُفعَّل من خلالها إجراءات مثل فتح مراكز التبريد، وتوفير مياه الشرب في الأماكن العامة، وإجراء تعديلات على الفعاليات الخارجية عند ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة إلى مستويات خطرة.
كما يشدد الخبراء على أهمية توجيه حلول التبريد الحضري إلى المناطق الأكثر تضررًا، من خلال زيادة الغطاء النباتي، وزراعة الأشجار، وإنشاء مظلات في الأماكن العامة، واستخدام الأسطح العاكسة للحرارة، بما يخفف من تأثير الجزر الحرارية داخل المدن.
وفي مدينة فلوريانوبوليس البرازيلية، ساعدت نماذج محاكاة الحرارة في تصميم ممرات خضراء ومشروعات تشجير حضري قادرة على خفض الإجهاد الحراري للمشاة بنحو 7 درجات مئوية.
كما أظهرت دراسات في مدينة هيرموسيو المكسيكية أن بعض الأحياء كانت أكثر حرارة بنحو 14 درجة مئوية مقارنة بالمناطق المظللة في وسط المدينة، ما دفع السلطات إلى إنشاء متنزهات جديدة لتوفير الظل والتبريد الطبيعي.
ورغم تزايد الاهتمام العالمي بمخاطر الحرارة، يرى الخبراء أن هناك فجوة واضحة بين قطاعات الصحة والتخطيط العمراني والمناخ، ما يحد من فعالية الاستجابة. وتشير البيانات إلى أن أقل من ربع الدول الأعضاء في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تدمج المعلومات المناخية ضمن أنظمة مراقبة الصحة العامة.
ويؤكد الباحثون أن الحكومات الوطنية والمحلية بحاجة إلى تعزيز التعاون فيما بينها لدمج بيانات الحرارة والصحة في التخطيط العمراني وإدارة الكوارث وتطوير البنية التحتية، بما يضمن حماية السكان من المخاطر المتزايدة لموجات الحر.
واختتم الخبراء بالتأكيد على أن البيانات والأدوات اللازمة باتت متاحة اليوم لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر وتوقيت تعرضهم له، مشددين على أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المعرفة إلى سياسات وإجراءات عملية قادرة على حماية الأرواح وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع المناخ المتغير.
