في خطوة قد تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية لأحد أكثر القطاعات الصناعية تلويثًا للبيئة، يعمل باحثون في معهد فراونهوفر لتقنيات وأنظمة السيراميك (Fraunhofer IKTS) بألمانيا على تطوير تقنية جديدة لإنتاج الجير بطريقة محايدة مناخيًا، مع الاستفادة من ثاني أكسيد الكربون الناتج وتحويله إلى مواد خام ذات قيمة اقتصادية.
ويُعد الجير أحد المكونات الأساسية في صناعة الأسمنت ومواد البناء، ويستخدم على نطاق واسع في أعمال المحارة والتشطيبات الداخلية والخارجية، إلا أن إنتاجه يتسبب في إطلاق كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري، ما يجعله هدفًا رئيسيًا لجهود إزالة الكربون من القطاع الصناعي.
صناعة البناء وتحدي الانبعاثات
تسهم صناعة مواد البناء بنحو ربع إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا، ما يجعلها من أكبر القطاعات المسببة لتغير المناخ.
وتُعد صناعتا الأسمنت والجير من أكثر الأنشطة الصناعية استهلاكًا للطاقة وإنتاجًا للانبعاثات الكربونية، إذ تحتوي الغازات الخارجة من مصانع الأسمنت على ما يصل إلى 33% من ثاني أكسيد الكربون، بينما تتجاوز النسبة في مصانع الجير 40%.
وتنتج غالبية هذه الانبعاثات خلال عملية تكليس الحجر الجيري، وهي المرحلة التي يُسخَّن فيها الخام إلى درجات حرارة مرتفعة لتحويله إلى جير صالح للاستخدام.
وتكمن المشكلة في أن جزءًا كبيرًا من الانبعاثات لا يأتي من الوقود المستخدم في الأفران، بل من المادة الخام نفسها، ما يعني أن التحول إلى الكهرباء أو الوقود النظيف وحده لا يكفي لتحقيق الحياد الكربوني.
مفاعل غشائي لإنتاج الجير الأخضر
ضمن مشروع يحمل اسم “Green Lime”، يطور الباحثون نظامًا جديدًا يعتمد على مفاعل غشائي متكامل مع فرن كهربائي مغلق، يهدف إلى احتجاز ثاني أكسيد الكربون الناتج أثناء عملية التكليس بدلاً من إطلاقه إلى الغلاف الجوي.
وأوضح الكيميائي بنيامين ييجر، مدير المشروع، أن الفكرة الأساسية تقوم على التقاط ثاني أكسيد الكربون وإعادة تدويره داخل العملية الصناعية.
وقال: “نعمل مع شركائنا على تطوير منشأة قادرة على إنتاج الجير بطريقة محايدة مناخيًا، مع الاستفادة من الكربون المنبعث بدلًا من اعتباره نفاية يجب التخلص منها”.
تحويل الكربون إلى موارد جديدة
يعتمد النظام على استخدام الهيدروجين الأخضر للتفاعل مع ثاني أكسيد الكربون المحتجز وتحويله إلى غاز الميثان.
وفي مرحلة لاحقة، يخضع الميثان لعملية تحلل حراري (Pyrolysis) تؤدي إلى تفكيكه إلى عنصرين أساسيين:
- الهيدروجين.
- الكربون الصلب النقي المعروف باسم “الكربون الأسود”.
ويُعاد تدوير الهيدروجين الناتج داخل المنشأة لاستخدامه مجددًا في العملية، بينما يمكن الاستفادة من الكربون الصلب في العديد من التطبيقات الصناعية والزراعية.
استخدامات اقتصادية للكربون المستعاد
يوفر النظام فرصة لتحويل الانبعاثات إلى مواد أولية ذات قيمة مضافة، فالكربون الأسود المستخرج يمكن استخدامه في الصناعات الكيميائية، وإنتاج بعض المواد المتقدمة، كما يمكن توظيفه في الزراعة لتحسين خصائص التربة.
وبذلك لا يقتصر دور التقنية على خفض الانبعاثات، بل يمتد إلى إنشاء دورة اقتصادية جديدة للكربون داخل القطاع الصناعي.
احتجاز الكربون وإعادة استخدامه
تعتمد التقنية على مفهوم يُعرف باسم “احتجاز الكربون واستخدامه” (CCU)، والذي يقوم على التقاط ثاني أكسيد الكربون من العمليات الصناعية أو من الهواء وإعادة استخدامه كمادة خام بدلاً من إطلاقه إلى الغلاف الجوي.
ويرى الباحثون أن هذا النهج قد يكون أكثر واقعية في بعض الصناعات التي يصعب التخلص الكامل من انبعاثاتها بسبب طبيعة العمليات الكيميائية المستخدمة فيها.
ويؤكد ييجر أن تعزيز الاعتراف السياسي والتشريعي بتقنيات إعادة استخدام الكربون سيكون عاملًا مهمًا لتسريع التحول الصناعي نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات.
نجاح الاختبارات الأولية
أثبتت الاختبارات الأولية نجاح مفهوم المفاعل الغشائي، حيث تمكن شركاء المشروع من تشغيل التقنية وإثبات كفاءتها على المستوى التجريبي.
وتولى معهد أبحاث الهيدروجين التطبيقية “HySON” اختبار المفاعل، فيما عملت شركة Johann Bergmann على تطوير الفرن الكهربائي المستخدم في النظام.
ويستعد الفريق البحثي حاليًا للانتقال إلى المرحلة التالية، التي تشمل تنفيذ التقنية على نطاق صناعي بالتعاون مع شركاء من قطاع الصناعة.
آفاق تتجاوز صناعة الجير
لا تقتصر إمكانات المفاعل الجديد على إنتاج الجير فقط، بل يرى الباحثون أن التقنية يمكن أن تجد تطبيقات واسعة في صناعات أخرى تعتمد على عمليات حرارية كثيفة الانبعاثات.
ومن بين القطاعات المرشحة للاستفادة من هذه التكنولوجيا:
- صناعة الأسمنت.
- إدارة ومعالجة النفايات.
- الصناعات الكيميائية.
- الصناعات المرتبطة بالهيدروجين والطاقة النظيفة.
ويعتقد الباحثون أن نجاح هذه التقنية قد يمثل خطوة مهمة نحو خفض البصمة الكربونية للصناعات الثقيلة، ودعم الجهود العالمية الرامية إلى تحقيق الحياد المناخي خلال العقود المقبلة.
