عودة إيرادات قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج تدعم الجنيه.. والاحتياطي النقدي يسجل 57.35 مليار دولار رغم خروج الأموال الساخنة
بدأ الجنيه المصري نوفمبر 2026 بمؤشرات إيجابية أمام الدولار الأمريكي، بعدما تراجع سعر العملة الأمريكية إلى ما دون مستوى 56 جنيهًا، مواصلًا خسائره لثالث جلسة تداول على التوالي، في تطور يعكس تحسنًا نسبيًا في سوق الصرف المصرية، بالتزامن مع زيادة تدفقات النقد الأجنبي من عدد من المصادر الرئيسية، وفي مقدمتها تحويلات المصريين العاملين بالخارج والسياحة وإيرادات قناة السويس والصادرات.
وسجل الدولار الأمريكي في البنك الأهلي المصري وبنك مصر نحو 55.39 جنيه للشراء و55.49 جنيه للبيع، وفق الأسعار المنشورة في 2 نوفمبر، بينما تراوحت الأسعار في البنوك المصرية يوم 3 نوفمبر بين 55.29 و55.76 جنيه للشراء، بحسب البنك والمؤسسة المصرفية.
وبلغ سعر الدولار لدى البنك المركزي المصري نحو 55.37 جنيه للشراء و55.51 جنيه للبيع في البيانات الواردة عن تعاملات 2 نوفمبر.
ويأتي تراجع الدولار بعد أن سجل مستوى 56 جنيهًا للمرة الأولى في أواخر أكتوبر، وهو ما أعاد التساؤلات بشأن قدرة الجنيه على مواصلة التعافي، ومدى استدامة التحسن في ظل المتغيرات الاقتصادية المحلية والتوترات الجيوسياسية وتذبذب حركة الاستثمارات الأجنبية.
قناة السويس تعود بقوة.. 4.05 مليار دولار في 9 أشهر
تأتي عودة إيرادات قناة السويس إلى الارتفاع في مقدمة المؤشرات الداعمة لتوافر النقد الأجنبي في مصر، بعدما سجلت الإيرادات أكثر من 4.05 مليار دولار خلال أول 9 أشهر من عام 2026، مقابل 2.99 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بنمو 35%.
وتعكس هذه الزيادة تعافي حركة الملاحة الدولية عبر القناة، بعد الضغوط التي تعرضت لها منذ اندلاع أزمة البحر الأحمر وتحويل عدد من شركات الشحن العالمية مسارات سفنها بعيدًا عن الممر الملاحي المصري.
وسجلت إيرادات القناة خلال الربع الثالث من العام الحالي نحو 1.664 مليار دولار، مقابل 1.03 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة سنوية بلغت 61%، كما ارتفعت بنسبة 31% مقارنة بالربع الثاني من 2026.
وحققت القناة إيرادات بلغت 605 ملايين دولار خلال سبتمبر الماضي، مقابل 563 مليون دولار في أغسطس، وهو أعلى مستوى شهري منذ يناير 2024.
ولم يقتصر التحسن على الإيرادات، بل امتد إلى حركة الملاحة، إذ ارتفع عدد السفن العابرة خلال الربع الثالث إلى 4050 سفينة، مقابل 3277 سفينة خلال الربع المقابل من 2025، بنمو 23.6%.
وخلال أول 9 أشهر من 2026، عبرت القناة نحو 10.95 ألف سفينة، بحمولة صافية بلغت 510.6 مليون طن، بزيادة سنوية 17% و35.7% على التوالي.
وتشير هذه الأرقام إلى أن تعافي القناة يمثل أحد أهم مصادر دعم موارد النقد الأجنبي المصرية، خصوصًا مع ارتفاع أعداد ناقلات النفط والغاز وسفن الحاويات، واستعادة جزء من حركة التجارة الدولية التي اتجهت سابقًا إلى مسارات بديلة.
تحويلات المصريين بالخارج تسجل 47.3 مليار دولار
تمثل تحويلات المصريين العاملين بالخارج أحد أهم مصادر النقد الأجنبي وأكثرها استقرارًا نسبيًا، بعدما سجلت مستويات قياسية خلال العام المالي 2025/2026.
ووفقًا للبنك المركزي المصري، ارتفعت التحويلات إلى نحو 47.3 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، مقابل 36.5 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، بزيادة 29.6%.
كما بلغت تحويلات المصريين بالخارج نحو 33.9 مليار دولار خلال أول 8 أشهر من عام 2026، مقابل 26.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة 27.2%.
وسجلت التحويلات خلال أغسطس الماضي نحو 4.2 مليار دولار، مقابل 3.5 مليار دولار في أغسطس 2025، بزيادة 21.7%.
وتعكس هذه التطورات استمرار عودة التحويلات إلى القنوات المصرفية الرسمية، في ظل تحسن آليات سوق الصرف وتراجع الفجوة بين الأسعار الرسمية وغير الرسمية، وهو ما يعزز المعروض من العملة الأجنبية داخل القطاع المصرفي.
الاحتياطي النقدي المصري يسجل مستوى قياسيًا جديدًا
واصل الاحتياطي النقدي الأجنبي المصري ارتفاعه، ليسجل نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، مقابل نحو 57.22 مليار دولار في أغسطس، و56.3 مليار دولار في يوليو.
ويعزز هذا المستوى قدرة البنك المركزي المصري على مواجهة التقلبات الخارجية والوفاء بالالتزامات الدولية وتوفير احتياجات البلاد من السلع الأساسية والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج.
كما يمثل ارتفاع الاحتياطي مؤشرًا إيجابيًا على تحسن قدرة الاقتصاد المصري على بناء حاجز أمان أمام الصدمات الخارجية، لكنه لا يعني أن جميع مكونات الاحتياطي تمثل سيولة حرة يمكن استخدامها دون مراعاة متطلبات إدارة الأصول والالتزامات الخارجية.
السياحة والصادرات والاستثمار.. مصادر أخرى لدعم الجنيه
لم يقتصر تحسن موارد النقد الأجنبي على قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج، إذ أظهرت بيانات ميزان المدفوعات للعام المالي 2025/2026 تحسنًا في عدد من المصادر الأخرى.
وسجلت إيرادات السياحة نحو 18.4 مليار دولار، مقابل 16.7 مليار دولار خلال العام المالي السابق، بنمو 10.3%.
كما ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 18 مليار دولار، مقابل 12.2 مليار دولار، بما يعكس زيادة الاستثمارات المرتبطة بالأصول والمشروعات والأنشطة الاقتصادية.
وسجلت استثمارات المحافظ المالية صافي تدفقات داخلة بقيمة 4.2 مليار دولار، مقابل 1.6 مليار دولار في العام السابق.
وفي المقابل، سجل ميزان المدفوعات فائضًا إجماليًا بنحو 2.8 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، مقارنة بعجز بلغ 2.1 مليار دولار في العام السابق.
لكن الصورة الخارجية لا تزال تحمل تحديات، إذ اتسع عجز الحساب الجاري إلى 22.5 مليار دولار مقابل 15.4 مليار دولار، نتيجة ارتفاع عجز الميزان التجاري السلعي وزيادة مدفوعات الاستثمار.
وتؤكد هذه الأرقام أن التحسن في تدفقات النقد الأجنبي لم ينهِ الضغوط المرتبطة بالطلب على الدولار، وإنما ساعد على احتوائها وتعزيز قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الخارجية.
خروج الأموال الساخنة يثير التساؤلات رغم تراجع الدولار
في مفارقة لافتة، جاء تراجع الدولار دون مستوى 56 جنيهًا بالتزامن مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين الحكومية المصرية.
وسجل المستثمرون الأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي صافي بيع بنحو 1.5 مليار دولار خلال الأسبوع الماضي، وفق البيانات الواردة عن البورصة المصرية، بينما سجل المستثمرون العرب صافي شراء بنحو 214 مليون دولار.
كما أشارت تقارير اقتصادية إلى خروج نحو 3.5 مليار دولار من أذون الخزانة المصرية خلال أكتوبر، مقابل نحو 827 مليون دولار في سبتمبر.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن استثمارات الأجانب في أذون وسندات الخزانة تمثل أحد مصادر التدفقات الدولارية قصيرة الأجل، لكنها في الوقت نفسه أكثر تأثرًا بتغير أسعار الفائدة العالمية والتوترات السياسية والاقتصادية.
ومن ثم، فإن استمرار تراجع الدولار رغم تخارج بعض المستثمرين يشير إلى وجود مصادر أخرى للنقد الأجنبي تساعد على موازنة الطلب، وفي مقدمتها التحويلات والسياحة والاستثمارات المباشرة وإيرادات الصادرات وقناة السويس.
فاتورة الطاقة والتجارة.. التحدي الأكبر أمام استقرار الجنيه
رغم تحسن موارد النقد الأجنبي، لا تزال فاتورة الاستيراد تمثل أحد أبرز التحديات أمام استقرار العملة المصرية.
وأظهرت بيانات البنك المركزي أن عجز الميزان التجاري السلعي ارتفع إلى نحو 64.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بزيادة 27.1%، بينما ارتفع عجز الحساب الجاري إلى 22.5 مليار دولار.
كما بلغت واردات النفط نحو 24.9 مليار دولار، بزيادة 27.6%، نتيجة ارتفاع واردات الغاز الطبيعي والنفط الخام.
ويعني ذلك أن مصر لا تزال بحاجة إلى تدفقات دولارية كبيرة لتغطية واردات الطاقة والسلع والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، وهو ما يجعل أسعار النفط والغاز العالمية والتطورات الإقليمية عوامل مؤثرة في سوق الصرف.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل احتياجات الاقتصاد المصري من الغاز الطبيعي لتلبية الطلب المحلي وتوفير الوقود لمحطات الكهرباء والقطاعات الصناعية.
هل يستمر الجنيه في التعافي خلال الفترة المقبلة؟
يرتبط استمرار تحسن الجنيه المصري بقدرة الاقتصاد على تحويل الزيادة الحالية في موارد النقد الأجنبي إلى تدفقات مستدامة، بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة أو التمويلات الاستثنائية.
وهناك عدة عوامل قد تدعم استمرار التحسن، أبرزها مواصلة نمو تحويلات المصريين بالخارج، واستعادة قناة السويس مستوياتها الطبيعية من حركة الملاحة، وزيادة إيرادات السياحة، وتحسن الصادرات، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وفي المقابل، تظل هناك مخاطر قد تضغط على الجنيه، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار عجز الميزان التجاري، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وخروج استثمارات المحافظ المالية، فضلًا عن ارتفاع تكلفة خدمة الدين الخارجي والاحتياجات التمويلية.
وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في مراجعته للاقتصاد المصري في يوليو 2026 إلى أن استمرار مرونة سعر الصرف وبناء الاحتياطيات وتعزيز الإصلاحات الهيكلية يمثل عوامل أساسية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
كما حذر من أن التوترات الإقليمية قد تؤثر سلبًا على النمو والاستثمار وتدفقات النقد الأجنبي، في حين يمكن أن يسهم تعافي إيرادات قناة السويس وتسريع الإصلاحات الاقتصادية في تحسين آفاق النمو.
وفي النهاية، فإن تراجع الدولار دون مستوى 56 جنيهًا يمثل مؤشرًا إيجابيًا على تحسن سوق الصرف، لكنه لا يكفي وحده للحكم على دخول الجنيه مرحلة تعافٍ مستدام.
فالمعيار الحقيقي سيكون قدرة مصر على زيادة مواردها الدولارية من الإنتاج والتصدير والسياحة والصناعة والخدمات، وخفض الاعتماد على الاقتراض والتدفقات قصيرة الأجل، بما يضمن استقرار العملة المصرية على أساس اقتصادي قوي وليس نتيجة تحركات مؤقتة في السيولة.
