الجفاف قد يشعل تفشي الأمراض.. علماء يكشفون كيف يحوّل نقص المياه إلى خطر صحي

الجفاف يعيد رسم خريطة العدوى.. لماذا تزدهر بعض الأمراض مع اختفاء المياه؟

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى منطقيًا: كلما قلت المياه، تراجعت الأمراض التي تعتمد عليها.

فالبعوض يحتاج إلى المياه الراكدة للتكاثر، والكوليرا ترتبط بالمياه الملوثة، وبالتالي يفترض أن يؤدي العام الجاف إلى تقليص فرص انتشار العدوى.

لكن الواقع البيئي أكثر تعقيدًا بكثير.

فالجفاف لا يزيل المياه فقط، وإنما يعيد ترتيب كل ما يعتمد عليها، من البشر والحيوانات إلى الحشرات والطفيليات والشبكات الغذائية. وعندما تتجمع الكائنات الحية حول المصادر المائية القليلة المتبقية، يمكن أن تصبح فرص انتقال بعض مسببات الأمراض أكبر بدلًا من أن تتراجع.

هذا ما خلص إليه عالما البيئة بيتر جونسون من جامعة كولورادو بولدر وتارا ستيوارت ميريل من معهد كاري لدراسات النظم البيئية، بعد مراجعة ما يقرب من 100 دراسة بحثية لفهم العلاقة المعقدة بين الجفاف والأمراض.

وتشير المراجعة إلى أن تأثير الجفاف على الأمراض ليس خطيًا؛ فقد يؤدي في ظروف معينة إلى تقليل انتشار أحد مسببات المرض، بينما يزيد في ظروف أخرى من انتشاره وشدته.

الجفاف

الجفاف لا يعني «مياه أقل» فقط

يوضح الباحثون أن التركيز على كمية المياه المفقودة وحدها قد يخفي التأثير الحقيقي للجفاف.

فنقص المياه يمكن أن يغير في الوقت نفسه درجة الحرارة، وجودة المياه، وكثافة تجمع الكائنات، وشبكات الغذاء، وسلوك البشر والحيوانات والناقلات.

وقد تكون هذه التأثيرات غير المباشرة أهم من نقص المياه نفسه عندما يتعلق الأمر بانتقال الأمراض.

ويقول جونسون إن الدرس الأوسع هو ضرورة تجاوز التفكير في الجفاف باعتباره مجرد «مياه أقل»، لأنه يغير عددًا كبيرًا من الظروف البيئية التي تتحكم في انتشار الأمراض.

عندما تتقلص البرك.. تتزاحم الحيوانات

ظهرت إحدى الصور الواضحة لهذه الظاهرة في كاليفورنيا، حيث يدرس فريق جونسون طفيليًا مائيًا يصيب الضفادع ويمكن أن يؤدي إلى نمو أرجل إضافية لديها.

وخلال موجة الجفاف الشديد التي ضربت الولاية عام 2014، تقلصت البرك التي تراقبها فرق البحث.

لكن بدلًا من اختفاء العدوى مع اختفاء المياه، تجمعت الضفادع بأعداد أكبر في المسطحات المائية التي بقيت، وازدادت العدوى انتشارًا وشدة.

وهنا ظهر السؤال: لماذا يؤدي فقدان المياه في بعض الحالات إلى القضاء على مسببات المرض، بينما يؤدي في حالات أخرى إلى تضخيمها؟

الإجابة، وفق المراجعة، ترتبط جزئيًا بـالتزاحم.

فعندما تختفي بعض البرك، قد تضطر الحيوانات إلى استخدام البرك المتبقية، ما يزيد الاحتكاك بينها ويمنح الطفيليات والمسببات المرضية فرصًا أكبر للانتقال.

وتظهر الآلية نفسها في مناطق أخرى؛ ففي شرق أفريقيا، قد تتشارك الحيوانات الرعوية البرية والماشية مصادر المياه القليلة التي تبقى خلال فترات الجفاف، ما يسمح للطفيليات المعوية بالانتقال بين أنواع مختلفة من الحيوانات.

المفاجأة: الجفاف قد يساعد البعوض

قد يبدو أن اختفاء البرك سيضر بالبعوض، لكن بعض الظروف الجافة قد تفعل العكس تمامًا.

فعندما تتقلص المسطحات المائية، قد تنخفض أعداد يرقات اليعسوب التي تتغذى على يرقات البعوض، بينما تصبح البرك الصغيرة الدافئة والراكدة بيئة مناسبة لتكاثر البعوض.

وفي إحدى التجارب، أنتجت الأراضي الرطبة التي كانت تحتفظ بالمياه خلال جزء فقط من السنة بعوضًا أكثر بنحو 20 مرة مقارنة بالأراضي الرطبة التي لم تجف.

وهنا تظهر أهمية مفهوم «الناقل»؛ فالبعوض لا يكون هو المرض نفسه، لكنه يعمل كوسيط ينقل مسببات العدوى من مضيف إلى آخر.

الجفاف

غرب النيل والتهاب الدماغ.. جفاف يسبق التفشي

تشير المراجعة إلى أن فيروس غرب النيل وفيروس التهاب الدماغ في سانت لويس، وهما من الفيروسات التي تنتقل عبر البعوض في أمريكا الشمالية، ارتبط انتشارهما في بعض المناطق بأنماط الجفاف.

والأكثر إثارة أن الجفاف في الموسم أو العام السابق يمكن أن يكون مؤشرًا على زيادة خطر تفشي بعض هذه الأمراض في الفترة اللاحقة.

أما حمى الوادي، وهي عدوى فطرية تصيب البشر والحيوانات، فتنتقل عبر استنشاق الغبار الملوث، وبالتالي يمكن أن يؤدي الجفاف إلى زيادة الظروف التي تساعد على انتشارها من خلال زيادة الغبار.

لكن ليس كل مسبب مرضي يستفيد من الجفاف

وهنا تأتي نقطة مهمة تمنع التعميم.

الجفاف ليس مكسبًا لكل مسببات الأمراض.

فالفطر الكيتريدي، الذي يصيب جلد البرمائيات وساهم في تراجع أعداد أنواع منها حول العالم، ينتشر بصورة أقل في الظروف الجافة.

وفي جنوب أفريقيا، أدى جفاف طويل إلى ارتفاع مستويات الملوحة في المياه إلى درجة تجاوزت قدرة قشريات طفيلية غازية على البقاء، الأمر الذي انعكس إيجابًا على الأسماك التي كانت تتغذى عليها هذه الطفيليات.

ولهذا لا يرى جونسون أن الدراسة تسمح بتحديد «فائز» واحد بين مسببات الأمراض في عالم تزداد فيه حالات الجفاف وعدم انتظامها.

لكن الطفيليات القادرة على تحمل فترات الجفاف أو استغلال تزاحم الحيوانات حول البيئات المائية المتبقية قد تكون في وضع أفضل للانتشار.

كما أن المسببات المرضية التي يمكنها إصابة أنواع متعددة من الكائنات قد تكون أقل تعرضًا لخطر اختفاء مضيف واحد نتيجة الجفاف.

الجفاف قد يخلق «بؤرة» للمرض.. ثم يقضي عليها

من أكثر النتائج إثارة أن الجفاف يمكن أن يؤدي إلى مرحلتين متناقضتين تمامًا.

خلال جفاف كاليفورنيا بين عامي 2013 و2015، تابع فريق جونسون ثلاثة طفيليات تصيب ضفادع جوقة المحيط الهادئ.

وفي عام 2014، جفت نحو ربع الأراضي الرطبة التي كانت تحت المراقبة بشكل كامل.

أما الضفادع التي بقيت في المسطحات المائية المتبقية، فقد ارتفعت لديها معدلات الإصابة، وهو ما يتوافق مع فرضية التزاحم.

لكن بحلول عام 2015، انقلب المشهد.

فمع اختفاء عدد كبير من البرك، بدأت أعداد الطفيليات نفسها في الانخفاض، وتراجعت الإصابات على نطاق واسع.

بمعنى آخر، قد يصنع الجفاف أولًا بؤرة ساخنة للعدوى، ثم يؤدي استمرار فقدان المياه إلى انهيار النظام الذي تعتمد عليه العدوى نفسها.

ولا تستطيع بؤرة محلية شديدة العدوى تعويض اختفاء المسطحات المائية على مستوى المشهد البيئي بأكمله.

الجفاف

البشر أيضًا يتزاحمون حول المياه

لا تقتصر الظاهرة على الحيوانات.

ففي القرن الأفريقي، ارتبط الجفاف الشديد، الذي وصف بأنه الأسوأ خلال أربعة عقود، بتفشيات كبيرة للكوليرا.

ومع نزوح ملايين الأشخاص وتدهور خدمات الصرف الصحي، ازدادت أعداد الأسر التي اضطرت إلى التجمع حول مصادر المياه القليلة المتبقية.

وهنا يمكن أن ترتفع احتمالات تلوث المياه وانتقال العدوى.

وتكشف هذه الحالة كيف يمكن أن يتحول الجفاف من مشكلة مائية إلى أزمة صحية وإنسانية عندما يتزامن مع النزوح وضعف البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

وفي إندونيسيا.. الجفاف رفع وفيات الملاريا بطريقين

في مرتفعات إندونيسيا، أدى جفاف شديد إلى ارتفاع وفيات الملاريا عبر مسارين مختلفين في الوقت نفسه.

فمن ناحية، دفعت أزمات الغذاء والمياه السكان إلى الانتقال نحو مناطق منخفضة الارتفاع، حيث تكون الملاريا أكثر شيوعًا.

ومن ناحية أخرى، تحولت المجاري المائية التي فشلت في الاستمرار بالجريان إلى برك راكدة وفرت بيئة مناسبة لتكاثر يرقات البعوض.

ووفق المراجعة، أدى التفشي الناتج عن هذه الظروف إلى وفاة 554 شخصًا.

وهكذا لم يكن الجفاف مجرد عامل واحد في المعادلة، وإنما غيّر حركة السكان وبيئة تكاثر الناقل في الوقت نفسه.

أين يجب أن تركز أجهزة الصحة؟

يرى الباحثون أن المناطق الأكثر إثارة للقلق هي تلك التي يؤدي فيها الجفاف إلى تغيير الطريقة التي يتفاعل بها البشر أو الحيوانات أو نواقل الأمراض مع مصادر المياه المتبقية.

فبدلًا من مراقبة كمية الأمطار أو المياه فقط، يمكن أن تحتاج الجهات الصحية إلى متابعة ما يحدث بعد ذلك:

هذه المؤشرات قد توفر إنذارًا مبكرًا لمخاطر صحية لا تظهر بمجرد النظر إلى مستوى المياه.

الجفاف

خطر المرض قد يظهر بعد سنوات من الجفاف

واحدة من أصعب مشكلات العلاقة بين الجفاف والأمراض هي التأخر الزمني.

فقد تظهر بعض التأثيرات خلال موسم واحد، بينما لا تظهر تأثيرات أخرى إلا بعد سنوات.

وهذا يجعل تحديد علاقة السبب والنتيجة أكثر صعوبة، خصوصًا أن الجفاف نفسه قد يتطور تدريجيًا ويغير الأنظمة البيئية على مراحل.

وتشير المراجعة إلى أن نحو ثلثي مساحة الولايات المتحدة المتصلة شهدت ظروف جفاف خلال عام 2026، بينما تشير تقديرات للأمم المتحدة إلى أن أكثر من 77% من مساحة اليابسة على كوكب الأرض أصبحت أكثر جفافًا خلال العقود الأخيرة.

لكن مجرد وجود الجفاف لا يعني تلقائيًا وقوع تفشٍ للمرض.

فالنتيجة تعتمد على نوع المسبب المرضي، ونوع المضيف، وتوافر المياه، ودرجة الحرارة، وسلوك الكائنات، وجودة البنية التحتية، وطول فترة الجفاف، وغيرها من العوامل.

العلماء يريدون «منحنيات جفاف» لمسببات الأمراض

يدرس علماء الأحياء بالفعل كيف يتغير أداء الطفيليات ومسببات الأمراض مع اختلاف درجات الحرارة.

لكن الباحثين يرون الحاجة إلى تطوير منحنيات مماثلة للجفاف، توضح كيف يتعامل كل مسبب مرضي مع:

انخفاض الرطوبة، وفقدان المياه، وطول الفترة الجافة، وتغير تجمعات المضيفين والناقلات.

كما يدعون إلى إجراء تجارب يمكن فيها تجفيف البرك عمدًا ومراقبة ما يحدث للنظام البيئي لفترة طويلة بما يكفي لرصد الآثار المتأخرة.

لكن هذه التجارب لا تزال محدودة.

ولهذا فإن كل موجة جفاف جديدة تقدم، عمليًا، تجربة واسعة النطاق تحدث في العالم الحقيقي، ولكن من دون وجود مجموعة ضابطة يمكن مقارنتها بها.

الجفاف

الجفاف.. تهديد بيئي وصحي في الوقت نفسه

تكشف الدراسة أن العلاقة بين الجفاف والأمراض المعدية أكثر تعقيدًا من فكرة «مياه أقل = أمراض أقل».

فالجفاف قد يقلل بعض مسببات الأمراض، لكنه قد يرفع مخاطر أخرى عبر تركيز البشر والحيوانات في مساحة أصغر، أو توفير برك راكدة للبعوض، أو زيادة الغبار، أو دفع السكان إلى الهجرة نحو مناطق أكثر عرضة لبعض الأمراض.

وفي المقابل، يمكن أن يؤدي استمرار الجفاف إلى انهيار أعداد المضيفين أو الناقلات أو الطفيليات نفسها، فتتراجع العدوى بعد أن تكون قد ارتفعت مؤقتًا.

لذلك، فإن فهم مخاطر الأمراض في عصر تغير المناخ لا يتطلب مراقبة درجات الحرارة فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى فهم أعمق لكيفية إعادة الجفاف تشكيل العلاقات بين المياه والكائنات الحية والبشر ومسببات الأمراض.

الدراسة الكاملة نُشرت في دورية Trends in Ecology & Evolution.

Exit mobile version