الجفاف يضرب الذرة في فرنسا.. المحصول مهدد بالانهيار إلى أدنى مستوى منذ 50 عامًا

الطقس المتطرف يضرب الزراعة الأوروبية.. انهيار متوقع لمحصول الذرة الفرنسي

تواجه زراعة الذرة في فرنسا واحدة من أصعب المواسم منذ عقود، مع استمرار موجات الحر والجفاف الحاد ونقص المياه، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تراجع إنتاج الذرة في الاتحاد الأوروبي إلى أدنى مستوياته منذ سنوات طويلة.

 

وتشير تقديرات محللين إلى أن إنتاج الذرة الفرنسي قد ينخفض إلى أقل من 7 ملايين طن هذا العام، وهو ما يعني خسارة تقارب نصف المحصول مقارنة بالمستويات المعتادة، وقد يجعل حصاد 2026 هو الأضعف منذ عام 1976.

 

وتأتي هذه التوقعات في وقت خفضت فيه المفوضية الأوروبية بالفعل تقديرات إنتاج الذرة في الاتحاد الأوروبي لموسم 2026/2027 إلى نحو 51.9 مليون طن، وهو أدنى مستوى منذ عام 2007، بينما يرى بعض المحللين أن الإنتاج الفعلي قد يهبط إلى أقل من 50 مليون طن للمرة الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي.

 

فرنسا في قلب أزمة الذرة

تعد فرنسا من أكبر منتجي الذرة في أوروبا، لكن المحصول تعرض هذا العام لضغوط متزامنة من الحرارة الشديدة والجفاف ونقص المياه.

 

وكانت وزارة الزراعة الفرنسية قد توقعت انخفاض الإنتاج بنحو 35% مقارنة بالعام الماضي، إلى قرابة 9 ملايين طن.

 

لكن تقديرات أكثر تشاؤمًا من مؤسسات تحليل الأسواق الزراعية تشير إلى أن المحصول قد ينخفض إلى أقل من 7 ملايين طن، نتيجة تدهور حالة النباتات، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على مياه الأمطار ولا تمتلك أنظمة ري.

ويأتي ذلك بعد شهر يوليو شديد الحرارة، بالتزامن مع تسجيل فرنسا مستويات قياسية من جفاف التربة.

الجفاف يضرب الذرة في فرنسا

الحرارة والجفاف يضربان الحقول غير المروية

تكمن المشكلة الأساسية في أن الذرة تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه خلال مراحل مهمة من نموها، خصوصًا خلال فترة تكوين الحبوب.

 

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض رطوبة التربة، تعرضت النباتات في العديد من المناطق الفرنسية للإجهاد المائي، ما أدى إلى تراجع قدرتها على إنتاج حبوب مكتملة.

 

وتساعد عمليات الري في إنقاذ جزء من المحصول، لكن قدرتها على تعويض النقص محدودة في ظل القيود المفروضة على استخدام المياه واستمرار الجفاف.

 

كما أن ارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة أثر بالفعل في قرارات المزارعين قبل بداية الموسم، ما ساهم في تقليص المساحات المزروعة بالذرة في بعض المناطق.

 

الذرة تتحول من غذاء إلى علف

ومن المفارقات التي تفرضها الأزمة أن جزءًا من الذرة التي كان يفترض حصادها كحبوب قد ينتهي بها الأمر كعلف للحيوانات.

 

فمع تدهور المراعي والأراضي العشبية بسبب الجفاف، يواجه المزارعون نقصًا في الأعلاف، ما يدفع بعضهم إلى حصاد الذرة واستخدامها في تغذية الماشية بدلًا من انتظار اكتمال الحبوب.

 

وتقدر مؤسسات زراعية ومحللون أن هذه الممارسة قد تقلص مساحة الذرة المخصصة لإنتاج الحبوب بمئات الآلاف من الهكتارات.

 

وهذا يعني أن الخسارة لا تأتي فقط من انخفاض إنتاجية الهكتار، وإنما أيضًا من تغيير الغرض النهائي للمحصول.

 

الأمطار المقبلة قد لا تنقذ المحصول

ومن المتوقع أن تشهد بعض المناطق الفرنسية أمطارًا ودرجات حرارة أقل خلال الأسبوع المقبل، إلا أن توقيت هذه التغيرات قد يكون متأخرًا بالنسبة إلى كثير من الحقول.

 

فالنباتات التي تعرضت لفترات طويلة من الإجهاد الحراري والمائي قد لا تتمكن من استعادة كامل إمكاناتها الإنتاجية حتى إذا تحسنت الظروف الجوية لاحقًا.

 

ومن المنتظر أن يبدأ حصاد الذرة في فرنسا في وقت أبكر من المعتاد خلال أغسطس، في مؤشر إضافي على تأثير الظروف المناخية القاسية في الموسم الزراعي.

 

ألمانيا تواجه المصير نفسه

ولا تقتصر الأزمة على فرنسا، إذ تعرض محصول الذرة في ألمانيا أيضًا لضغوط نتيجة الحرارة والجفاف.

 

وتتوقع جمعية التعاونيات الزراعية الألمانية انخفاض إنتاج الذرة الحبوبية بنحو 14% مقارنة بالعام الماضي، ليصل إلى نحو 4.24 مليون طن.

 

لكن الوضع الألماني لا يزال مرتبطًا بدرجة كبيرة بما ستشهده البلاد من أمطار خلال الأسابيع المقبلة، قبل بدء موسم الحصاد الرئيسي في أكتوبر ونوفمبر.

 

بولندا قد تصبح أكبر منتج للذرة في أوروبا

في المقابل، تبدو الصورة أكثر إيجابية في بولندا، التي قد تتحول هذا العام إلى أكبر منتج للذرة في الاتحاد الأوروبي.

 

وتشير التقديرات إلى إمكانية وصول الإنتاج البولندي إلى ما بين 8.7 و9 ملايين طن، مقارنة بنحو 8.9 مليون طن العام الماضي.

 

وساعدت الأمطار التي هطلت في يوليو على تحسين حالة المحاصيل في المناطق الشمالية والوسطى، بينما يمكن للأمطار المتوقعة خلال الفترة المقبلة أن تخفف من آثار نقص المياه في أجزاء من جنوب البلاد.

 

وهكذا يظهر تباين واضح داخل القارة الأوروبية: ففي الوقت الذي تتعرض فيه فرنسا وأجزاء من ألمانيا لضغط حراري ومائي شديد، استفادت مناطق أخرى من الأمطار في توقيت أكثر ملاءمة.

 

رومانيا بين الأمطار والجفاف

وتقدم رومانيا صورة أخرى للتباين المناخي داخل أوروبا، فقد ساعدت الأمطار الغزيرة على تحسين توقعات إنتاج الذرة، لكن انخفاض المساحات المزروعة قد يحد من الإنتاج الإجمالي إلى نحو 8 ملايين طن.

 

كما يظل الطقس خلال أغسطس عاملًا حاسمًا، خصوصًا مع استمرار الجفاف في بعض المناطق وانخفاض مستويات المياه في نهر الدانوب إلى مستويات قياسية.

 

ويعد الدانوب عنصرًا أساسيًا في الزراعة والنقل والطاقة في المنطقة، وبالتالي فإن انخفاض منسوب المياه لا يمثل مشكلة للمحاصيل وحدها، بل يمكن أن يخلق ضغوطًا إضافية على منظومة الغذاء والطاقة والنقل.

 

أزمة الذرة تهدد واردات أوروبا

التراجع المتوقع في إنتاج الذرة داخل الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى زيادة اعتماد القارة على الواردات لتغطية احتياجات قطاعي الغذاء والأعلاف.

 

وتستخدم الذرة على نطاق واسع في تغذية الماشية والدواجن، إلى جانب استخدامها في الصناعات الغذائية وإنتاج النشا والإيثانول ومنتجات أخرى.

 

ومن ثم فإن انخفاض الإنتاج الأوروبي قد ينعكس على أسعار الأعلاف وتكاليف تربية الحيوانات، ثم ينتقل تأثيره تدريجيًا إلى أسعار اللحوم ومنتجات الألبان والبيض.

 

كما أن ارتفاع الحاجة إلى الواردات يجعل السوق الأوروبية أكثر حساسية لتقلبات الإنتاج في الدول المصدرة، فضلًا عن تكاليف النقل وأسعار الطاقة والظروف المناخية العالمية.

 

تغير المناخ يضغط على أمن الغذاء

تكشف أزمة الذرة الأوروبية عن جانب آخر من التأثير المتزايد للطقس المتطرف على الزراعة.

 

فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع متوسط درجات الحرارة، وإنما بتزامن عدة عوامل في الوقت نفسه: موجات حر طويلة، جفاف التربة، نقص المياه، انخفاض منسوب الأنهار، وارتفاع احتياجات المحاصيل من الري.

 

وعندما تتكرر هذه الظروف في مناطق زراعية رئيسية، يصبح تأثيرها أكبر من مجرد خسارة محصول في موسم واحد، لأنها قد تؤثر في أسعار الغذاء والأعلاف والتجارة الزراعية وتكاليف الإنتاج.

 

وتزداد أهمية هذه المخاطر بالنسبة إلى أوروبا، التي تسعى في الوقت نفسه إلى تقليل اعتمادها على الواردات وتعزيز قدرتها على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد الغذائية.

 

موسم لم يُحسم بالكامل

ورغم الصورة القاتمة، لا تزال بعض نتائج الموسم الأوروبي مرتبطة بالطقس خلال الأسابيع المقبلة.

فالأمطار في المناطق التي لم تصل فيها النباتات بعد إلى مرحلة الحصاد يمكن أن تحد من حجم الخسائر، بينما قد يؤدي استمرار الجفاف والحرارة إلى مزيد من التراجع في الإنتاج.

 

لكن بالنسبة إلى فرنسا، يبدو أن جزءًا كبيرًا من الضرر قد وقع بالفعل، خصوصًا في المناطق غير المروية.

وتشير التطورات الحالية إلى أن أزمة الذرة الأوروبية في 2026 ليست مجرد مشكلة إنتاج زراعي، بل اختبار جديد لقدرة منظومة الغذاء الأوروبية على التعامل مع مناخ أكثر حرارة وجفافًا وتقلبًا.

Exit mobile version