كشفت دراسة علمية حديثة أن موجات الجفاف الممتدة لا تؤدي فقط إلى نقص المياه وتراجع الإنتاج الزراعي، بل ترتبط أيضاً بارتفاع ملحوظ في معدلات العنف ضد المراهقين والشباب، ما يسلط الضوء على جانب اجتماعي وإنساني غالباً ما يُغفل في النقاشات المتعلقة بتغير المناخ.
وأظهرت الدراسة، التي نُشرت في دورية The Lancet Planetary Health، أن فترات الجفاف الطويلة في دول أفريقيا الجنوبية ترتبط بزيادة مخاطر التعرض للعنف الجسدي والجنسي والعاطفي بين الفئات العمرية الشابة، خصوصاً الفتيات.
أكثر من 20 ألف شاب وشابة
أجرى الدراسة باحثون من جامعة أكسفورد والمعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA)، واعتمدت على بيانات أكثر من 20 ألف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 13 و24 عاماً في زيمبابوي وموزمبيق وليسوتو.
وقارن الباحثون بين معدلات العنف التي أبلغ عنها المشاركون ومستويات الجفاف المسجلة في مناطقهم باستخدام مؤشرات تجمع بين معدلات الأمطار ودرجات الحرارة، ما أتاح تقييماً أكثر دقة لشدة الجفاف وتأثيراته.
وقالت الدكتورة بوثينا التجاني، الباحثة الرئيسية في الدراسة: “أثناء عملي طبيبة في السودان، شاهدت كيف يؤدي الجفاف وندرة المياه إلى ضغوط هائلة على الأسر، خاصة في المجتمعات الريفية، حيث تتحمل العائلات أعباء كبيرة وتظل المخاطر التي تهدد الشباب غير مرئية في كثير من الأحيان”.
وأضافت أن الآثار الصحية المباشرة للجفاف أصبحت مفهومة بشكل متزايد، إلا أن العلاقة بين الجفاف والعنف ضد المراهقين لم تحظَ بالبحث الكافي حتى الآن.
ارتفاع ملحوظ في معدلات العنف
وأظهرت النتائج أن مخاطر العنف ترتفع تدريجياً مع زيادة شدة الجفاف، فقد ارتفع خطر التعرض للعنف الجنسي من أشخاص خارج إطار العلاقات العاطفية بنسبة 46%، بينما زاد خطر التعرض للعنف العاطفي من غير الشركاء بنسبة 73%.
كما سجلت الدراسة زيادة بنسبة 41% في احتمالات التعرض للعنف الجسدي من غير الشركاء.
ولم تقتصر التأثيرات على العلاقات الاجتماعية العامة، إذ ارتفعت معدلات الإساءة العاطفية داخل العلاقات العاطفية بنسبة 51%، فيما زادت احتمالات العنف الجسدي بين الشركاء بنسبة 39%.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تؤكد أن الجفاف ليس مجرد أزمة بيئية أو زراعية، بل يمكن أن يتحول إلى عامل يهدد الأمن الشخصي والاجتماعي للشباب.
الضغوط الاقتصادية وراء الأزمة
وأوضح الباحثون أن الجفاف يفرض سلسلة من الضغوط الاقتصادية على الأسر، تبدأ بفشل المحاصيل الزراعية وانخفاض الدخل، وقد تمتد إلى نفوق الماشية وارتفاع أسعار الغذاء وتراجع فرص العمل.
وفي المراحل الأولى، تلجأ الأسر إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتها لتجاوز الأزمة، لكن استمرار الجفاف لفترات طويلة يقلص خيارات التكيف تدريجياً.
وقد يضطر بعض الأطفال إلى ترك الدراسة بسبب الأعباء المالية، بينما يسعى المراهقون إلى العمل في مناطق بعيدة أو البقاء في علاقات مؤذية بسبب غياب البدائل الاقتصادية.
ورغم أن الدراسة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين الجفاف وكل حالة عنف، فإنها توثق ارتباطاً قوياً بين تفاقم الجفاف وارتفاع مستويات التعرض للعنف.
الفتيات الأكثر عرضة للخطر
أظهرت الدراسة أن الفتيات كن الأكثر تأثراً بتداعيات الجفاف، حيث ارتفعت لديهن مخاطر التعرض للعنف الجنسي والإساءة العاطفية بمعدلات أكبر مقارنة بالفتيان.
ويعزو الباحثون ذلك إلى الأدوار الاجتماعية التي تضطلع بها الفتيات في العديد من المجتمعات الريفية، مثل جلب المياه وجمع الحطب ورعاية الأطفال والمشاركة في الأعمال المنزلية.
ومع اشتداد الجفاف، تضطر الفتيات إلى قطع مسافات أطول للوصول إلى مصادر المياه، ما يزيد من احتمالات تعرضهن للاستغلال أو الاعتداء في مناطق معزولة.
كما أن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يدفع بعض الفتيات إلى البقاء في علاقات غير آمنة بسبب الاعتماد على الشريك في توفير الغذاء أو المأوى.
لفتيان أيضاً في دائرة الخطر
ورغم أن الفتيات تحملن النصيب الأكبر من المخاطر، فإن الدراسة أكدت أن الفتيان يواجهون بدورهم ارتفاعاً في احتمالات التعرض للعنف الجسدي والعاطفي.
وقد يُجبر بعضهم على الانخراط في أعمال خطرة أو الهجرة بحثاً عن مصادر دخل، ما يزيد احتمالات تعرضهم للاستغلال أو سوء المعاملة.
وأشار الباحثون إلى أن أشكال الخطر تختلف بين الجنسين، لكن العامل المشترك يتمثل في الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها فترات الجفاف الممتدة.
المناطق الريفية الأكثر هشاشة
وكشفت الدراسة أن المراهقين في المناطق الريفية كانوا أكثر عرضة للعنف خلال فترات الجفاف الشديد مقارنة بنظرائهم في المدن.
ويرجع ذلك إلى اعتماد الأسر الريفية بشكل أكبر على الأمطار والزراعة والثروة الحيوانية، ما يجعل آثار الجفاف أكثر مباشرة وأشد وطأة على سبل المعيشة.
وبالنسبة لكثير من العائلات الريفية، لا يعني الجفاف مجرد موسم زراعي سيئ، بل قد يجلب معه الجوع والديون والتسرب من التعليم وتدهور الظروف المعيشية في وقت واحد.
الجفاف الطويل أكثر خطورة
ولاحظ الباحثون أن العلاقة بين الجفاف والعنف تصبح أقوى كلما طالت مدة الجفاف، فعند مقارنة فترات الجفاف الممتدة على مدار 24 شهراً بتلك التي استمرت 12 شهراً فقط، تبين أن مخاطر العنف ترتفع بصورة أكبر مع استمرار الأزمة.
ويرى العلماء أن الأسر قد تتمكن من التكيف مع موسم جفاف واحد من خلال المدخرات أو الدعم العائلي، لكن استمرار الأزمة لعامين أو أكثر يؤدي إلى استنزاف الموارد وارتفاع مستويات التوتر والإجهاد.
دمج الحماية الاجتماعية في خطط المناخ
خلصت الدراسة إلى أن خطط الاستجابة للجفاف يجب ألا تقتصر على تأمين الغذاء والمياه ودعم الزراعة، بل ينبغي أن تشمل أيضاً تدابير لحماية الأطفال والشباب من العنف والاستغلال.
ودعا الباحثون إلى توظيف أنظمة الإنذار المبكر الخاصة بالجفاف لتوجيه خدمات الحماية الاجتماعية والصحية والتعليمية إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر، بما يشمل توفير مسارات آمنة للوصول إلى المياه، ودعم الأسر المتضررة اقتصادياً، وتعزيز آليات الإبلاغ عن العنف.
وأكدت الدكتورة بوثينا التجاني أن الشباب الذين يعيشون أصلاً أوضاعاً هشة يصبحون أكثر عرضة للمخاطر خلال فترات الجفاف الطويلة، مشددة على ضرورة إدماج برامج الوقاية من العنف ضمن استراتيجيات التكيف مع تغير المناخ.
