كشفت دراسة علمية جديدة أن أنشطة التعدين في أفريقيا جنوب الصحراء لا تؤدي فقط إلى إزالة الغابات داخل حدود المناجم، بل تتسبب أيضًا في موجات واسعة من التدهور البيئي تمتد لعشرات الكيلومترات حول مواقع الاستخراج، ما يضاعف الخسائر البيئية المرتبطة بالطلب العالمي المتزايد على المعادن اللازمة للتحول نحو الطاقة النظيفة.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه العالم تسارعًا في الطلب على المعادن الحيوية، مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس والفاناديوم، التي تُستخدم في تصنيع السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والألواح الشمسية.
وتحتضن أفريقيا جنوب الصحراء نحو 30% من احتياطيات المعادن العالمية، بما في ذلك 92% من احتياطي البلاتين العالمي، و56% من الكوبالت، و54% من المنغنيز، و36% من الكروم.
وتتركز كميات كبيرة من هذه المعادن تحت غابات تعد من بين الأغنى عالميًا من حيث التنوع البيولوجي، ما يضع النظم البيئية الأفريقية أمام تحدٍ متزايد بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على الطبيعة.
تتبع 20 عامًا من إزالة الغابات
اعتمد الباحثون على بيانات الأقمار الصناعية لتحديد 16,627 منطقة تعدين في أفريقيا جنوب الصحراء، وتتبع التغيرات التي طرأت على الأراضي المحيطة بها بين عامي 2001 و2020.
وقارن الفريق البحثي بين المناطق التي شهدت عمليات تعدين فعلية وأخرى مماثلة لم تكن قد دخلت بعد في مرحلة التعدين، بهدف عزل التأثير المباشر للمناجم عن العوامل الأخرى التي قد تتسبب في إزالة الغابات، مثل التوسع الزراعي أو النمو السكاني الطبيعي.
وأظهرت النتائج أن نحو 187 ألف هكتار من الغابات تحولت مباشرة إلى مناطق تعدين خلال الفترة المدروسة، وهي مساحة تعادل تقريبًا مساحة دولة موريشيوس. وتمثل هذه الخسارة نحو 0.03% من إجمالي الغابات الأفريقية.
لكن هذه الأرقام تعكس فقط المساحات التي أزيلت لإقامة المناجم والحفر وأحواض تخزين مخلفات التعدين، ولا تشمل التأثيرات غير المباشرة الأوسع نطاقًا.
تأثير يتجاوز حدود المناجم
توصلت الدراسة إلى أن كل هكتار من الغابات يُزال داخل حدود المنجم يؤدي في المتوسط إلى فقدان 34 هكتارًا إضافيًا من الغابات في المناطق المحيطة.
ويرجع ذلك إلى إنشاء الطرق الجديدة والبنية التحتية والمستوطنات السكنية والمزارع التي تنشأ لخدمة أنشطة التعدين والعاملين فيها.
وكشفت الدراسة أن معدل إزالة الغابات يرتفع في نطاق كيلومتر واحد حول المناجم الجديدة بمعدل إضافي يبلغ نحو 8 نقاط مئوية مقارنة بالمناطق غير المتأثرة بالتعدين.
والأكثر إثارة للقلق أن آثار إزالة الغابات لا تتوقف عند حدود المشروع، بل تمتد لمسافة تصل إلى 20 كيلومترًا من مركز النشاط التعديني، وقد تستمر لأكثر من عشر سنوات بعد بدء عمليات التعدين.
ويُعزى ذلك إلى التوسع التدريجي للمناجم لملاحقة الرواسب المعدنية، إلى جانب نمو التجمعات السكانية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
الكوبالت والنحاس الأكثر تأثيرًا
أظهرت النتائج، أن المناجم التي تستخرج الكوبالت والنحاس، وهما من أهم المعادن المستخدمة في تقنيات الطاقة النظيفة، كانت الأكثر ارتباطًا بإزالة الغابات الإضافية.
أما عمليات استخراج خام الحديد فقد سجلت أوسع نطاق جغرافي للتأثير، حيث امتدت آثارها البيئية لمسافات تصل إلى 20 كيلومترًا من مواقع التعدين.
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تنتج نحو نصف الكوبالت العالمي، ارتفع معدل التأثير غير المباشر إلى مستويات أكبر بكثير، إذ تسبب كل هكتار تعدين في فقدان ما يصل إلى 58 هكتارًا إضافيًا من الغابات المحيطة.
الطاقة النظيفة ومفارقة بيئية
يحذر الباحثون من أن الطلب العالمي على المعادن اللازمة للتحول نحو الطاقة النظيفة قد يرتفع بنحو 40 ضعفًا بحلول عام 2040، ما يضاعف الضغوط على الغابات الأفريقية إذا استمرت أنماط التعدين الحالية.
وتؤدي الغابات دورًا محوريًا في مكافحة تغير المناخ، إذ تعمل كمصارف طبيعية للكربون عبر امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
ومن ثم، فإن إزالة هذه الغابات لا تسهم فقط في فقدان التنوع البيولوجي، بل تؤدي أيضًا إلى تسريع الاحترار العالمي وتقويض الجهود الرامية إلى الحد من تغير المناخ.
وتبرز هنا مفارقة لافتة، إذ إن المعادن المستخدمة لإنتاج تقنيات صديقة للبيئة قد تؤدي، إذا لم تُدار بصورة مستدامة، إلى تدهور بيئي واسع النطاق في بعض أكثر مناطق العالم ثراءً بالتنوع الحيوي.
ما الذي يجب فعله؟
دعت الدراسة إلى تبني معايير أكثر صرامة لتقييم الأثر البيئي قبل منح تراخيص التعدين، مع ضرورة توسيع نطاق التقييم ليشمل التأثيرات غير المباشرة الناتجة عن الطرق والمستوطنات الجديدة والتوسع الزراعي المصاحب للمشروعات التعدينية.
كما أوصى الباحثون بفرض متطلبات أكثر شفافية على سلاسل إمداد المعادن العالمية، بحيث تتحمل الشركات المصنعة للسيارات الكهربائية والتقنيات النظيفة مسؤولية التحقق من الأثر البيئي للمناجم التي تحصل منها على المواد الخام.
وأشاروا أيضًا إلى أهمية معالجة مشكلة المناجم غير المسجلة وعمليات التعدين الحرفية الصغيرة، التي غالبًا ما تعمل خارج الأطر التنظيمية والبيئية الرسمية، ما يزيد من المخاطر على البيئة والعاملين على حد سواء.
وأكد الباحثون أن الدول الصناعية التي تقود الطلب العالمي على المعادن يجب أن تدعم الدول المنتجة فنيًا وماليًا لتعزيز الرقابة البيئية، إلى جانب الاستثمار بشكل أكبر في إعادة تدوير المعادن لتقليل الحاجة إلى التوسع المستمر في عمليات التعدين.
وخلصت الدراسة إلى أن نجاح التحول العالمي نحو الطاقة المستدامة يجب ألا يأتي على حساب الغابات والتنوع البيولوجي، بل ينبغي أن يكون جزءًا من استراتيجية متكاملة تحقق أهداف المناخ وتحافظ في الوقت ذاته على النظم البيئية الحيوية.
