انهيارات “التربة المتجمدة” تطلق الكربون وتُغير ملامح الغطاء النباتي

علماء: الإنتاجية النباتية مفتاح فهم تعافي القطب الشمالي بعد الانهيارات

يشهد القطب الشمالي تغيرات متسارعة، إذ تنهار الأرض في بعض المناطق بشكل مفاجئ، مُحدثة تحولات دراماتيكية تترك التضاريس عارية وغير مستقرة.

ولا تقتصر هذه الانهيارات على إعادة تشكيل المشهد الطبيعي، بل تؤدي أيضًا إلى تدمير الغطاء النباتي، وإطلاق الكربون المخزن في التربة، ما يثير تساؤلات حول المدة التي تحتاجها الطبيعة للتعافي.

وتشير النتائج إلى أن التعافي ليس نمطيًا؛ فبعض المناطق تستعيد غطاءها النباتي في أقل من عقد، بينما تحتاج مناطق أخرى إلى أجيال كاملة، وقد يصل الأمر إلى قرن من الزمن لاستعادة ما فُقد.

وقد أصبح هذا التفاوت في التعافي محور اهتمام الباحثين لفهم كيفية استجابة القطب الشمالي لارتفاع درجات الحرارة العالمية.

التربة المتجمدة

لماذا تنهار الأرض في القطب الشمالي؟

تُعرف هذه الظاهرة باسم “الانهيارات التراجعية الناتجة عن ذوبان التربة الصقيعية”، وتحدث عندما تبدأ التربة المتجمدة (التربة الصقيعية) في الذوبان، مما يؤدي إلى ذوبان الجليد داخلها، وبالتالي انهيار أو انزلاق الطبقات السطحية.

وقد تكون الأضرار واسعة النطاق؛ إذ يمكن لانهيار واحد أن يمتد على مساحات شاسعة، مع هبوط الأرض لمئات الأقدام، واقتلاع النباتات أو دفنها، وإطلاق الكربون المخزن في التربة.

وتكمن أهمية ذلك في أن التربة الصقيعية تحتوي على كميات هائلة من الكربون، الذي قد ينطلق إلى الغلاف الجوي عند اضطرابها.

وشارك في الدراسة مارك لارا، أستاذ بيولوجيا النبات بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين، إلى جانب الباحثة ما بعد الدكتوراه تشووشوان (سمر) شيا، والبروفيسور ليو لين من الجامعة الصينية في هونج كونج، حيث ركز الفريق على دراسة تعافي هذه البيئات المتضررة عبر الزمن.

التربة المتجمدة

لماذا تتعافى بعض المناطق أسرع؟

توصل الباحثون إلى أن سرعة التعافي تعتمد على ما يُعرف بـ”الإنتاجية الأولية الإجمالية”، وهو مقياس لقدرة النباتات على التمثيل الضوئي والنمو.

ففي المناطق ذات الإنتاجية المرتفعة، يمكن أن يعود الغطاء النباتي خلال نحو عشر سنوات، بينما يتباطأ التعافي بشكل كبير في البيئات القاسية، خاصة في المناطق مرتفعة الارتفاع أو في أقصى الشمال.

وأوضحت شيا أنه “في المناطق منخفضة القطب الشمالي يمكن أن يحدث التعافي خلال عقد، بينما قد يستغرق في المناطق العليا ما يصل إلى 100 عام”.

تتبع التغيرات من الفضاء

اعتمد الفريق البحثي على بيانات الأقمار الصناعية عبر عقود، حيث درسوا ثماني مناطق في القطب الشمالي ومناطق جبلية مرتفعة، منها ألاسكا وكندا وسيبيريا وهضبة التبت.

واستخدموا إشارات الضوء الأحمر وتحت الأحمر القريب لتقدير كثافة الغطاء النباتي ونشاطه بمرور الوقت، ورغم محدودية البيانات القديمة، تمكن الباحثون من تتبع تطور الغطاء النباتي منذ خمسينيات القرن الماضي، عبر مقارنة أنواع النباتات التي ظهرت بعد الانهيارات المختلفة.

التربة المتجمدة

تغير في طبيعة الغطاء النباتي

حتى مع عودة النباتات، لا تعود البيئة إلى حالتها الأصلية؛ إذ تتغير تركيبة الأنواع النباتية، حيث تهيمن النباتات سريعة النمو مثل الصفصاف، التي تتميز بقدرتها على الانتشار السريع في البيئات المتضررة.

وهذا التحول له تأثيرات مهمة، لأن الأنواع النباتية المختلفة تتعامل مع الكربون بطرق متباينة، وقد تُسهم بعض النباتات في تثبيت التربة والحد من فقدان الكربون.

تأثير مناخي محدود لكنه مهم

تشير الدراسة إلى أن النباتات الخشبية مثل الصفصاف قد تساعد في تثبيت التربة وامتصاص كميات أكبر من الكربون مقارنة بغيرها، ما قد يُحسن حسابات الكربون في هذه المناطق.

لكن التأثير يظل محدودًا، إذ يؤكد الباحثون أن النباتات وحدها لن تكون قادرة على تعويض الكميات الضخمة من الكربون المنبعثة نتيجة ذوبان التربة الصقيعية.

وتغطي هذه الظواهر نحو 5% من إجمالي مساحة التربة الصقيعية عالميًا، أي ما يعادل نحو 350 ألف ميل مربع، وهي مساحة كبيرة تجعل أي تغير—even لو كان محدودًا—ذا تأثير تراكمي.

نحو فهم أعمق لمستقبل القطب الشمالي

يسعى العلماء في المرحلة المقبلة إلى دراسة دور الأنواع النباتية المختلفة في دورة الكربون بشكل أكثر دقة، إذ قد تلعب بعض الأنواع دورًا أكبر في الحد من الانبعاثات.

وفي ظل هذه المعطيات، يتضح أن تعافي القطب الشمالي ليس عملية موحدة، بل يختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، وهو ما يساعد العلماء على التنبؤ بمستقبل هذه النظم البيئية الهشة في ظل تغير المناخ.

Exit mobile version