مع تزايد موجات الحر حول العالم، يكشف بحث لجامعة أوكسفورد أن دول شمال أوروبا، ومنها بريطانيا، ليست مستعدة بعد لمواجهة الارتفاع المتوقع في درجات الحرارة.
فالمباني هناك شُيِّدت تاريخيًا لمقاومة البرد، عبر حبس الحرارة وتقليل التهوية، ما يجعلها عرضة لأن تتحول إلى “بيوت زجاجية” في الصيف.
الدراسة استندت إلى مفهوم “أيام درجات التبريد” التي تقيس عدد الأيام التي يحتاج فيها السكان إلى إجراءات إضافية لخفض الحرارة داخل المباني. النتيجة كانت صادمة: بينما ستشهد دول مثل نيجيريا وتشاد أكبر زيادة مطلقة في هذه الأيام، فإن أوروبا الشمالية ستواجه أكبر زيادة نسبية، أي أن عدد الأيام الحارة سيقفز بمعدل لم تشهده من قبل.
بين التكييف والفحم
الحل البديهي هو اللجوء إلى أجهزة التكييف، لكن هذا الخيار له ثمن بيئي واقتصادي باهظ، كما توضح الباحثة مهري خسرَوي من جامعة شرق لندن.
ففي عامي 2022 و2023 اضطرت بريطانيا إلى إعادة تشغيل محطة فحم لتلبية ذروة الطلب على الكهرباء في أيام الحر، وهو ما ينسف الجهود المناخية.
وتشدد خسرَوي على أن التفكير يجب أن يبدأ من تقليل الحاجة للتبريد، لا زيادتها.
فكما نركز في الشتاء على العزل الحراري لتقليل استهلاك الطاقة في التدفئة، علينا في الصيف أن نمنع الحرارة من دخول المباني ابتداءً.
حلول معمارية وثقافية
تستلهم الحلول من جنوب أوروبا؛ حيث اعتاد السكان على صيف شديد الحرارة منذ قرون. هناك تنتشر مظلات النوافذ والشتر العاكس، وتُبنى البيوت بألوان فاتحة تعكس أشعة الشمس، مع اعتماد تهوية طبيعية ليلًا.
كما تلعب العادات دورًا محوريًا. فثقافة “السيستا” الإسبانية مثال واضح: التوقف عن النشاط في ساعات الذروة، وإبقاء النوافذ مغلقة نهارًا ومفتوحة ليلًا.
أما في بريطانيا، فما زال الطقس الحار يُنظر إليه كـ”فرصة للمرح”، ما يضاعف المخاطر الصحية.
المراوح أولًا
في أستراليا، اقترح باحثون استراتيجية “المروحة أولًا”، الفكرة بسيطة: استخدام المراوح لتبريد الهواء قبل اللجوء إلى التكييف، وعدم تشغيل الأخير إلا عندما تتجاوز الحرارة الداخلية 27 درجة مئوية.
هذا النهج أثبت أنه يمنح شعورًا بانخفاض الحرارة حتى 4 درجات مئوية، ويوفر 32% من استهلاك الطاقة.
مضخات حرارية أكثر كفاءة
تقدّم المضخات الحرارية حلاً يجمع بين التدفئة والتبريد بكفاءة تصل إلى 400%، أي أنها تنقل أكثر من ضعف كمية الحرارة مقارنة بالطاقة المستهلكة.
ووفقًا لتحليل أجرته جامعة كاليفورنيا، فإن الاستثمار في هذه التقنية يقلل الانبعاثات الكربونية في معظم مناطق العالم.
لكن العوائق موجودة: تكلفة التركيب مرتفعة، المنازل القديمة تحتاج إلى تعديلات، وعدد الفنيين المتخصصين محدود.
شمس الصيف مصدر للتبريد
عند دمج المضخات الحرارية مع الألواح الشمسية، تصبح المعادلة أكثر استدامة. ففي ذروة الصيف تولد الألواح الطاقة اللازمة لتشغيل أنظمة التبريد.
دراسة من جامعة نوتنغهام ترنت قدّرت أن الأسطح المزودة بالطاقة الشمسية قادرة على تغطية نحو ثلث احتياجات المدينة الكهربائية صيفًا.
الطريق إلى تبريد مستدام
الخلاصة أن مواجهة الحر لا تعني التوسع في المكيفات فقط. فمزيج من الحلول: تصميمات معمارية أذكى، عادات سلوكية أكثر وعيًا، مراوح فعالة، مضخات حرارية، وطاقة شمسية، يمكن أن يوفر تبريدًا مريحًا وصديقًا للمناخ.
وبينما يتسارع التغير المناخي، يظل السباق مفتوحًا بين الاعتماد على تقنيات مستدامة أو الانزلاق إلى استهلاك أكبر للطاقة يعيدنا إلى الوقود الأحفوري.
