“البراكين الخفية”.. عندما يثور الجحيم بصمت!
علماء يرسمون ملامح "البركان الصامت".. لا زلازل.. لا تحذيرات فقط انفجار مفاجئ
لا تلتزم البراكين دائمًا بالقواعد. في معظم الأحيان، يستطيع العلماء التنبؤ بالثوران البركاني من خلال علامات مبكرة، مثل انتفاخ الأرض أو سلسلة من الزلازل الصغيرة.
تحدث هذه التحذيرات عندما تمتلئ الحجرات الجوفية بالصهارة والغاز، مما يؤدي إلى زيادة الضغط.
لكن ليست جميع البراكين بهذه الشفافية؛ فبعضها يظل هادئًا بشكل مخيف، دون أن يُظهر أي علامات قبل ثورانه. تُعرف هذه البراكين باسم “البراكين الخفية”.
أحد أبرز الأمثلة هو بركان فينيامينوف، وهو قمة مغطاة بالجليد ضمن قوس ألوشيان في ألاسكا. أجرى باحثون من جامعة إلينوي دراسة معمقة لسلوكه، وطوروا نموذجًا علميًا يفسر سبب ثوران فينيامينوف – وغيره من البراكين المشابهة – دون إنذارات واضحة.
وقد نُشرت الدراسة كاملة في مجلة Frontiers in Earth Science.
قال الدكتور يويو لي، المؤلف الرئيسي للدراسة: “رغم التقدم الكبير في تقنيات المراقبة، لا تزال بعض البراكين تنفجر مع وجود القليل من المؤشرات الأولية أو بدونها على الإطلاق، مما يزيد بشكل كبير من المخاطر على السكان القريبين”.
وأضاف: “بعض هذه البراكين يقع بالقرب من طرق جوية رئيسية أو مجتمعات محلية، من أمثلتها: بوبكاتيبيتل وكوليما في المكسيك، وميرابي في إندونيسيا، وجاليراس في كولومبيا، وسترومبولي في إيطاليا”، “يساعد عملنا في تفسير هذا السلوك، عبر تحديد العوامل الداخلية الحاسمة، مثل انخفاض إمدادات الصهارة ودفء الصخور المحيطة، التي تجعل الانفجارات خفية”.

عملاق نائم في ألاسكا
بركان فينيامينوف ليس مجرد بركان عادي. فمنذ عام 1993، شهد 13 ثورانًا، لكن اثنين فقط منها أظهرا إشارات تحذيرية كافية لرصدها مسبقًا، أحد ثوراناته في عام 2021 لم يُكتشف إلا بعد ثلاثة أيام من بدايته.
قال لي: “يُعدّ فينيامينوف مثالًا نموذجيًا لبركان هادئ يبدو وكأنه نائم، بينما هو في الحقيقة على وشك الانفجار، إنه أحد أكثر البراكين نشاطًا في ألاسكا”.
وأشار إلى أن هذا البركان شهد خلال العقود الأخيرة عدة ثورات بركانية من الفئة VEI 3، وهي ثورات متوسطة الحجم قادرة على قذف الرماد إلى ارتفاع تسعة أميال، ما يعطّل حركة الطيران، ويشكّل تهديدًا على المجتمعات والبنية التحتية المحيطة، وغالبًا دون إنذار.

نمذجة السلوك البركاني
للوقوف على أسباب هذا السلوك، ركز العلماء على الفترة التي سبقت ثوران عام 2018.
جمع الفريق بيانات على مدار ثلاثة مواسم صيفية قبل الانفجار، وبنوا نماذج حاسوبية لمحاكاة سيناريوهات بركانية مختلفة.
قاموا بتغيير حجم وشكل وعمق حجرة الصهارة، وسرعة تدفقها، بهدف مطابقة النماذج مع الواقع.

نتائج مقلقة: كيف يثور البركان بلا إنذار؟
كشفت المحاكاة أن تدفق الصهارة العالي إلى حجرة كبيرة يؤدي غالبًا إلى تضخم الأرض، وهي علامة واضحة، أما حين يكون التدفق منخفضًا والحجرة صغيرة، فقد يحدث الانفجار دون إنذار يُذكر.
في حالة فينيامينوف، أظهرت البيانات وجود حجرة صغيرة وتدفق بطيء، ما يجعل من الصعب رصد أي تغييرات واضحة.
كما وجد الفريق أن شكل الحجرة وعمقها يؤثران على طبيعة التحذيرات: فالحجرات الكبيرة المسطحة قد تنتج زلازل خافتة، بينما تحدث الحجرات الطويلة والضيقة تشوهات طفيفة فقط.
عنصر مفاجئ: حرارة الصخور
عندما تبقى الصهارة لفترة طويلة تحت الأرض، تُسخّن الصخور المحيطة، مما يجعلها أقل عرضة للتشقق أو الحركة، وهنا تقل الزلازل والتشوهات الأرضية، وتصبح علامات الخطر شبه معدومة.

الحل في التكنولوجيا
قال لي: “لمواجهة هذه الانفجارات المفاجئة، نحتاج إلى دمج أدوات دقيقة مثل مقاييس الميل والانفعال، والاستشعار بالألياف الضوئية، بالإضافة إلى تقنيات مثل الموجات تحت الصوتية وتحليل انبعاثات الغاز”.
وأضاف: “أظهر التعلم الآلي إمكانيات واعدة في التقاط التغيرات الطفيفة في السلوك البركاني، خاصة الزلازل الدقيقة”.

وأكد أن تحسين تغطية الأقمار الصناعية واستخدام المزيد من أجهزة القياس يمكن أن يسد الثغرات الحالية، خصوصًا في بركان فينيامينوف.
الأهم من ذلك، أن العلماء باتوا يعرفون البراكين التي تمثل خطرًا خفيًا: تلك التي تحتوي على خزانات صهارة صغيرة، دافئة، وبطيئة التدفق.
قال لي: “الجمع بين النماذج والمحاكاة والمراقبة الفعلية يمثل أملًا حقيقيًا في تحسين التنبؤ بالثورانات البركانية”.





