لم يعد فصل الشتاء في المناطق الجبلية كما كان في السابق، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تغيّر جذري في طبيعة تساقط الثلوج، ما يزيد من خطر الانهيارات الجليدية.
وفي العديد من المناطق، بدأت العواصف الثلجية تُستبدل بهطول الأمطار، حتى خلال أبرد أشهر العام، وقد يبدو هذا التحول طفيفًا، لكنه يُحدث تغييرات عميقة في كيفية تكوّن طبقات الثلج.
بدلًا من تكوين طبقات متماسكة ومستقرة، تتشكل داخل الغطاء الثلجي نقاط ضعف خفية، يمكن أن تنهار فجأة، ما يزيد من احتمالات وقوع الانهيارات الجليدية ويجعلها أكثر خطورة وصعوبة في التنبؤ.
الأمطار بدل الثلوج
شهدت مناطق واسعة من غرب الولايات المتحدة أحد أكثر فصول الشتاء دفئًا، حيث هطلت الأمطار بدلًا من الثلوج في مناطق جبلية مرتفعة.
وعندما تقترب درجات الحرارة من نقطة التجمد، يمكن أن تسقط الأمطار فوق الثلوج، ثم تتجمد لتكوّن طبقة صلبة تُعرف بـ“القشرة الجليدية”.
وعند تساقط ثلوج جديدة فوق هذه الطبقة، فإنها لا تلتصق بها جيدًا، بل تستقر بشكل هش، ما يخلق بيئة مثالية لحدوث الانهيارات الجليدية.
وقد تؤدي هذه الانهيارات إلى إغلاق الطرق السريعة، وتعطيل حركة السفر، وتهديد حياة السكان.
طبقات جليدية تزيد المخاطر
تركز الدراسة على ما يُعرف بطبقات “الذوبان وإعادة التجمد”، التي تتكوّن عندما يذوب الثلج جزئيًا ثم يتجمد مرة أخرى، كما تسهم ظاهرة هطول الأمطار فوق الثلوج في تكوين هذه الطبقات.
ونُشرت الدراسة في دورية “ARC Geophysical Research”، ورغم أن هذه الطبقات تبدو صغيرة، فإنها تلعب دورًا حاسمًا في استقرار الغطاء الثلجي.
فعندما تتراكم طبقة صلبة أسفل طبقات أكثر ليونة، تصبح الطبقة العليا عرضة للانزلاق بسهولة، ما يؤدي إلى حدوث الانهيارات.
ويشير الباحثون إلى أن ضعف الترابط بين هذه الطبقات يشبه “خطوط صدع” خفية داخل الثلج.
تأثيرات متفاوتة حسب المناطق
اعتمدت الدراسة على بيانات من 53 محطة رصد في شمال غرب المحيط الهادئ على مدى 25 عامًا، باستخدام نموذج حاسوبي لتحليل تكوّن طبقات الثلج.
وأظهرت النتائج أن ارتفاع درجات الحرارة بمقدار درجتين إلى أربع درجات مئوية يؤدي إلى تأثيرات مختلفة حسب الموقع الجغرافي.
فالمناطق الباردة الداخلية، مثل ولايتي أيداهو ومونتانا، مرشحة لتشهد زيادة في تكوّن الطبقات الجليدية، بينما قد تشهد المناطق الساحلية الأكثر دفئًا انخفاضًا في هذه الظاهرة، نتيجة تحوّل الثلوج إلى طين ثلجي بدلًا من إعادة التجمد.
بنية الثلج مفتاح الخطر
رغم أن الثلج يبدو بسيطًا، فإنه يتكوّن من طبقات متعددة تختلف في الكثافة والتركيب. وبينما يستطيع العلماء قياس عمق الثلج وكمية المياه فيه، تظل بنية هذه الطبقات أكثر تعقيدًا.
وتوضح الدراسة أن الاحترار يزيد من تعقيد هذه البنية، خاصة في المناطق الباردة، ما يجعل التنبؤ بالانهيارات أكثر صعوبة.
انهيارات أكثر شراسة
لا تقتصر خطورة الطبقات الجليدية على إضعاف الثلج فقط، بل تؤثر أيضًا في سلوك الانهيارات نفسها.
إذ يمكن أن تعمل هذه الطبقات كأسطح ملساء تسمح للثلوج بالانزلاق بسرعة أكبر ولمسافات أطول.
كما يمكن أن تحتجز المياه داخل الغطاء الثلجي، وعند تحركها فجأة، قد تتسبب في انهيارات كبيرة وخطيرة.
وفي بعض الحالات، قد تظل الثلوج غير مستقرة لفترات طويلة، ما يعقّد جهود إدارة المخاطر وإعادة فتح الطرق أو المناطق السياحية.
تأثيرات على الحياة البرية
لا تقتصر آثار هذه التغيرات على البشر فقط، بل تمتد إلى الحياة البرية.
إذ تعتمد العديد من الحيوانات على الثلوج للوصول إلى الغذاء، بينما تعيق القشرة الجليدية هذه العملية، ما يزيد من مخاطر نفوق بعض الأنواع.
في المقابل، قد تسهّل الأسطح الصلبة حركة الحيوانات المفترسة، ما يؤدي إلى تغيّر أنماط الصيد والتوازن البيئي.
الحاجة إلى تطوير التنبؤ
تؤكد الدراسة أن تغيّر المناخ يعيد تشكيل طبيعة الثلوج بسرعة، ما يفرض تحديات جديدة على أنظمة التنبؤ بالانهيارات الجليدية.
وفي ظل هذه التغيرات، يصبح تحسين أدوات الرصد والتنبؤ، وزيادة الوعي، وتعزيز التعاون بين الجهات المعنية، أمرًا ضروريًا للحد من المخاطر في المستقبل.
