الاستنزاف الصامت للطبيعة.. آسيا الوسطى تستهلك أكثر من قدرة بيئتها.. الزراعة والتوسع العمراني

بين العطش والانبعاثات.. أزمة المياه تشتد في آسيا الوسطى وسط نمو سكاني متسارع

تتسارع وتيرة النمو في آسيا الوسطى بشكل يفوق قدرة الطبيعة على مواكبته. ويُظهر أحدث تدقيق إقليمي أن مطالب البشر على الأراضي والمياه وإنتاجية النظم البيئية قد تجاوزت المستويات التي يعتبرها العلماء آمنة.

قاد البحث البروفيسور دوان ويلي من الأكاديمية الصينية للعلوم، وباحث ما بعد الدكتوراه تشو زيانغ، بالتعاون مع فريق دولي، حيث تتبعوا ست بصمات بيئية بين عامي 2000 و2020.

أزمة المياه المتصاعدة في آسيا

تضاعفت البصمة البيئية في الجمهوريات الخمس ثلاث مرات عن الحصة المسموح بها بموجب الحدود الكوكبية المُصغّرة. كما يرتفع مؤشر “الاستيلاء البشري على صافي الإنتاج الأولي” إلى مستويات غير مسبوقة.

نُشرت الدراسة في مجلة Earth’s Future، وتُعد كازاخستان وأوزبكستان أكبر مقترضين من الطبيعة، وقد حصلتا على تصنيف “إدارة الأولوية” في الدراسة نظرًا لعمليات السحب البيئي الضخمة التي تقومان بها.

النمط البيئي غير متوازن أيضًا، إذ إن أكثر من 80% من البصمة البيئية تنشأ داخل المنطقة، ما يعني أن التجارة الخارجية وحدها لا يمكنها معالجة الأزمة.

يربط الباحثون هذا التدهور بالنمو السكاني السريع وازدهار قطاع البناء المدعوم بعائدات الوقود الأحفوري، بالإضافة إلى نموذج زراعي موروث من التخطيط المركزي السوفيتي.

المسؤولية البيئية للاقتصادات العالمية الرئيسية في آسيا الوسطى في ظل التقليص المتساوي للفرد

استخدام الأراضي يُهدد الحياة البرية والتربة

إن تحويل المراعي والمناطق الصحراوية إلى مزارع مروية يُجرد النباتات البرية من الكربون الذي كانت تثبته، ويُفتت الموائل الحيوية للملقحات والحيوانات العاشبة.

بحلول عام 2020، تجاوزت نسبة الاستهلاك في طاجيكستان للإنتاجية القائمة على الأرض حاجز الـ90، وهو ما يعتبره العلماء منطقة طوارئ بيئية.

تؤدي الممارسات الزراعية الكثيفة إلى ترقق التربة، فيما تسود العواصف الترابية اتجاه مجرى النهر، ناقلة الطمي المتآكل مئات الأميال. كما يشهد التنوع البيولوجي تراجعًا مقلقًا، ما يهدد مجتمعات السهوب القديمة.

مؤشر الاستدامة البيئية المتكاملة لكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وأوزبكستان،

الزراعة القديمة في آسيا تُهدر المياه

تستهلك الزراعة المروية نحو 90% من المياه المحولة، ويتسرب قرابة 40% منها عبر القنوات السوفيتية المتهالكة قبل أن تصل إلى الحقول.

يُعد القطن من أكثر المحاصيل استنزافًا للمياه، إذ يستهلك أكثر من ضعف ما يحتاجه القمح الشتوي، مما يساهم في جفاف نهري آموداريا وسيرداريا.

أظهرت تجارب في وادي فرغانة أن أنظمة التنقيط تُقلل استخدام المياه بنسبة 18 إلى 42%، وتحسّن كفاءة الري بنسبة تصل إلى 103%، غير أن تطبيق هذه التقنية ما زال محدودًا بسبب نقص رأس المال وعدم وضوح سياسات تسعير المياه.

التلوث الناتج عن الزراعة والمصانع

تُنتج المنطقة نحو 470 مليون طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا، أي حوالي 1% من الانبعاثات العالمية.

ارتفع استخدام الأسمدة النيتروجينية، ما أضاف 628 مليون كيلوغرام من النيتروجين التفاعلي خلال عقدين، وأسهم في نمو الطحالب التي تسد بوابات الري.

يُشكّل حرق الطاقة المحلية، وتكرير البتروكيماويات، وإنتاج الصلب الجزء الأكبر من الانبعاثات، مما يترك هامشًا ضيقًا للنمو الصناعي دون تحسين الكفاءة.

أما جريان الفوسفور، فرغم صغره، إلا أنه مزمن، ويُضعف جودة المياه ويُقصّر عمر البنية التحتية للقنوات.

رسم تخطيطي للمكونات الرئيسية للاستيلاء البشري على الإنتاج الأولي الصافي في آسيا الوسطى القاحلة

الزراعة في آسيا قادرة على توفير المياه

التحول الزراعي في أوزبكستان نحو القمح والفواكه منذ عام 2010 ساهم في خفض الضغط البيئي، ويُظهر فوائد تنويع المحاصيل.

كما أثبتت التجارب في شمال كازاخستان أن تناوب الرعي يُحسن الكتلة الحيوية للمراعي والتربة، حتى في ظل معدلات التخزين المرتفعة.

الأنظمة المتكاملة للمحاصيل والثروة الحيوانية تُعيد تدوير السماد محليًا، مما يقلل الاعتماد على الأسمدة الصناعية وانبعاثات الميثان.

ويمكن تطبيق تقنيات متقدمة مثل جدولة الري بالنقص، الشائعة في الجنوب الغربي الأمريكي، على مناطق السهوب الكازاخستانية.

الاستيلاء البشري على الإنتاج الأولي الصافي و(و) الأراضي في آسيا الوسطى

حلول بسيطة يمكن أن تنقذ الطبيعة

يقول المؤلف الرئيسي تشو زيانج: “تُظهر دراستنا أن الضغط البيئي في آسيا الوسطى سببه الاستهلاك المحلي بالدرجة الأولى، ما يتطلب سياسات فعالة لإدارة الأراضي والمياه.”

تحديث البنية التحتية للري باستخدام التبطين، وشبكات الأنابيب، والمضخات الشمسية يمكن أن يوفر كميات كبيرة من المياه ويؤجل الحاجة إلى مفاوضات مائية شائكة.

في المراعي، تكاليف الإعانات الموسمية أقل بكثير من تكلفة استصلاح الأراضي المتدهورة.

بدأ المقرضون الدوليون إدراك الوضع، ففي مايو 2025، وافق البنك الدولي على قرض بقيمة 200 مليون دولار لتحديث شبكات الري في أوزبكستان، مشروطًا بتحقيق انخفاض ملموس في التسرب.

البصمات الأرضية وتدفقات التجارة في آسيا الوسطى من عام ٢٠٠٠ إلى عام ٢٠٢٠.

مستقبل آسيا يعتمد على المياه

حذر العلماء من أن ستة من أصل تسعة حدود كوكبية قد تم تجاوزها عالميًا، ما يعني أن تجاوزات آسيا الوسطى تحدث في وقت حرج للغاية.

الاستدامة البيئية تتطلب تقليص استهلاك الموارد، في ظل ارتفاع عدد السكان إلى نحو 45 مليون نسمة، وزيادة حرارة وجفاف الصيف.

ستُحدد استجابة الجمهوريات الخمس ما إذا كانت الأجيال القادمة ستعيش في بيئة صالحة للحياة، أم في منطقة تتدهور مواردها تحت وطأة الطلب المتزايد وأنظمة الإدارة المتقادمة.

Exit mobile version