تغيّر المناخ يعيد تشكيل أنماط الطقس حول العالم، مع ازدياد تواتر وشدة الظواهر المناخية مثل الأعاصير وموجات الحر والجفاف.
وبينما تُحدث هذه التحولات اضطرابات بيئية واسعة، فإنها تثير أيضًا تفاعلات نفسية لدى البشر قد تتطور إلى سلوك عدواني وصراعات عنيفة.
توضح الأبحاث، أن الآليات المعرفية التي يثيرها تغيّر المناخ لدى الأفراد تتشابه مع تلك التي ترتبط بسلوك العنف في المواقف اليومية.
فكما قد يفسّر شخص مجهد اصطدامًا عرضيًا على أنه عدوان متعمد، يمكن للمزارعين في المناطق الجافة أن يفسروا جفاف آبارهم باعتباره “سرقة للمياه” من جيرانهم، لا نتيجة لاختلافات جيولوجية.
تُعرف هذه النزعة في علم النفس باسم «التحيّز العدائي في التفسير»، أي الميل إلى تأويل الأفعال الغامضة على أنها ناتجة عن نية مؤذية، وهي من العوامل المعروفة في السلوك الإجرامي.
المناخ والحروب.. علاقة متبادلة
إدوارد وايت – مرشح دكتوراه في علم النفس بجامعة كينجستون، درس الظاهرة وكشف أن المناخ والحروب مرتبطان ارتباطًا وثيقًا؛ فالأزمات البيئية مثل نقص المياه والحرارة الشديدة تزيد من احتمالات الصراع، بينما تُفاقم الحروب نفسها من الدمار البيئي.
وضربا مثلا بما يحدث في إثيوبيا وكينيا، مثلًا، حيث ارتبط تراجع بسيط في معدلات الأمطار بزيادة في اندلاع النزاعات بين المجتمعات المحلية.
وتكرر النمط ذاته حس بالباحث في أجزاء من آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء، كما ساهم الجفاف المتتالي في ستينيات القرن الماضي في إشعال التمرد الماوي في شمال الهند.
كما يقول الباحث إدوارد وايت، فهذه الظاهرة ليست جديدة؛ فحتى في القرن الرابع الميلادي، حين كانت بريطانيا خاضعة للحكم الروماني، أدّت موجات الجفاف إلى مجاعات وانهيار النظام، ما مهد لغزو القبائل الشمالية وسقوط الحكم الروماني لاحقًا.
الإجهاد العقلي وتراجع ضبط النفس
ويوضح الباحث، التفسير العلمي لهذا حيث أن القشرة الجبهية الأمامية من الدماغ مسؤولة عن اتخاذ القرارات وضبط السلوك، لكنها، مثل أي عضلة، تُصاب بالإرهاق.
وتشير الأبحاث إلى أن الإجهاد الذهني المزمن الناتج عن ضغوط المناخ، مثل القلق على المحاصيل أو تدبير المياه، يستنزف القدرات المعرفية ويقلل من السيطرة على الدوافع العدوانية.
ورغم صعوبة إثبات علاقة سببية مباشرة بين المناخ والعنف، فإن بعض الدراسات تقدم مؤشرات لافتة.
ففي كوريا الجنوبية، مثلًا، وُجد أن كل ارتفاع بمقدار درجة مئوية واحدة في الحرارة يزيد من وفيات الاعتداءات بنسبة 1.4%، أما في فنلندا، فارتفعت معدلات الجريمة العنيفة بنسبة 1.7% لكل درجة حرارة إضافية.
حلول قائمة على الإدراك والمعرفة
يمكن فهم هذه الروابط لتوجيه تدخلات وقائية فعّالة، فكما تساعد العلاجات السلوكية المعرفية الأفراد على التعرف إلى أنماط التفكير الضارة وتغييرها، يمكن للمجتمعات أيضًا تعزيز الوعي الجماعي بالتحيّزات النفسية التي يفاقمها تغيّر المناخ.
كما أن تقليل الأعباء الذهنية عبر تحسين البنية التحتية وتوزيع الموارد بعدالة، مثل مشروعات تخزين المياه ونقلها، يسهم في الحد من التوترات.
وفي نيبال مثلًا، موّلت المجتمعات الواقعة في أسفل حوض نهر كوشي أنشطة للتعاون مع القرى العليا لتقاسم المياه بعدل، حيث تعهدت بلدية مدينة “دهانكوتا” بدفع تكاليف خدمات المياه والحفاظ على النظام البيئي في مناطق المنابع.
نحو وعي نفسي بالمناخ
يبقى أحد المفاتيح الأساسية في فهم العلاقة بين المناخ والصراع هو إدراك كيف يُفعّل الضغط البيئي الثغرات النفسية التي تدفع إلى السلوك العنيف. ومن خلال هذا الفهم، يمكن التدخل المبكر قبل أن يتحول الإجهاد المناخي إلى سلسلة من التحيزات ثم إلى عنف يهدد المجتمعات.
