اختبار بسيط من الفم قد يكشف السرطان مبكرًا.. نتائج واعدة لسرطان المعدة والقولون

دراسة تكشف علاقة مفاجئة بين بكتيريا الفم وسرطان المعدة والقولون

توصلت دراسة علمية جديدة إلى أن تحليل أنواع البكتيريا الموجودة في الفم قد يساعد في الكشف عن سرطان المعدة وسرطان القولون والمستقيم، من خلال عينة بسيطة من غسول الفم، في نتيجة قد تمهد مستقبلًا لظهور طريقة أسهل وأقل تدخلاً للكشف عن بعض سرطانات الجهاز الهضمي.

وأظهرت الدراسة أن نماذج تشخيصية اعتمدت على بيانات الميكروبات الموجودة في عينات المضمضة تمكنت من التعرف على 92.9% من حالات سرطان القولون والمستقيم، مقارنة بنسبة 61% لاختبار الدم الخفي في البراز، وهو أحد الاختبارات المستخدمة حاليًا في فحوص سرطان القولون والمستقيم.

لكن الباحثين يؤكدون أن الاختبار الجديد لا يزال في مرحلة البحث، ولا يمكن اعتباره بديلًا معتمدًا لفحوص السرطان الحالية.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Cell Host & Microbe.

كيف يمكن لبكتيريا الفم أن تكشف سرطان الجهاز الهضمي؟

بكتيريا الفم

قاد الدراسة جيهيون إف. كيم من جامعة يونسي في العاصمة الكورية الجنوبية سول، وانطلقت الفكرة من ملاحظة علمية معروفة، وهي أن عددًا من أنواع الميكروبات الموجودة في الفم يمكن أن توجد أيضًا داخل الجهاز الهضمي.

وتساءل الباحثون عما إذا كانت الميكروبات المرتبطة بالفم تصل إلى الجهاز الهضمي وتستقر فيه بصورة مختلفة لدى الأشخاص المصابين بالسرطان.

وللإجابة عن هذا السؤال، جمع الفريق عينات من غسول الفم والبراز لدى 507 متطوعين في كوريا الجنوبية، حيث خضع جميع المشاركين لجمع العينات بالطريقة نفسها.

وضمت المجموعة 129 شخصًا أصحاء، و215 شخصًا يعانون اضطرابات أيضية، مثل ارتفاع ضغط الدم أو ارتفاع مستويات الكوليسترول أو مرض السكري من النوع الثاني.

كما شملت الدراسة 77 شخصًا مصابًا بسرطان المعدة و86 شخصًا مصابًا بسرطان القولون والمستقيم، وجميع المشاركين المصابين بالسرطان قدموا العينات قبل بدء العلاج.

مؤشر يقيس انتقال البكتيريا من الفم إلى الأمعاء

الأمعاء

 

قام الباحثون بتحليل التسلسل الجيني للبكتيريا الموجودة في 1010 عينات، وتمكنوا من الحصول على زوج صالح للتحليل، يضم عينة من الفم وأخرى من البراز، لدى 502 مشاركًا.

وأتاح ذلك للعلماء مقارنة البكتيريا الموجودة في الفم وتلك الموجودة في الأمعاء لدى الشخص نفسه، وتحديد مدى وجود السلالات البكتيرية نفسها في كلا المكانين.

وحوّل الباحثون مقدار هذا التداخل إلى مؤشر أطلقوا عليه اسم “مؤشر الفم إلى البراز”، بهدف قياس مستوى تشارك البكتيريا بين الفم والجهاز الهضمي.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص المصابين بسرطان المعدة أو سرطان القولون والمستقيم سجلوا مؤشرًا أعلى بنحو 2.6 إلى 3 مرات مقارنة بالأشخاص الأصحاء.

في المقابل، لم يظهر الارتفاع نفسه لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات أيضية، رغم وجود بعض المشكلات الصحية المشتركة بينهم وبين مرضى السرطان.

كما استمر الاختلاف بعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار عوامل أخرى، من بينها استهلاك الكحول، ومستوى النشاط البدني، ووزن الجسم.

اختبار المضمضة يتفوق على فحص البراز

قارن الباحثون نتائج تحليل الميكروبات الموجودة في عينات غسول الفم بنتائج اختبار الدم الخفي في البراز، وهو أحد الاختبارات المستخدمة في الكشف عن سرطان القولون والمستقيم.

وأظهرت النماذج التي اعتمدت على بيانات عينات الفم قدرة على تحديد 92.9% من حالات سرطان القولون والمستقيم، بينما تمكن اختبار الدم الخفي في البراز من اكتشاف 61% من الحالات نفسها ضمن مجموعة الدراسة.

ولم تتوقف النتائج عند مجموعة المشاركين الأساسية، إذ ظهرت نتائج مشابهة عندما اختبر الباحثون النهج نفسه على مجموعات أخرى مستقلة من المتطوعين.

والأكثر إثارة للاهتمام أن الباحثين تمكنوا من الحصول على معلومات مرتبطة بالسرطان من عينات الفم وحدها، رغم أن نسبة صغيرة فقط من السلالات البكتيرية الموجودة في الفم كانت موجودة أيضًا في الأمعاء.

وهذا يشير إلى أن التغيرات التي تطرأ على الميكروبيوم الفموي قد تحمل إشارات مرتبطة بصحة الجهاز الهضمي، حتى من دون الحاجة إلى تحليل عينة من الأمعاء مباشرة.

لماذا تصل بكتيريا الفم إلى الأمعاء؟

يمتلك الجسم عدة آليات دفاعية تمنع معظم بكتيريا الفم من الوصول إلى الأجزاء السفلية من الجهاز الهضمي والاستقرار فيها.

فعلى سبيل المثال، يحتوي اللعاب على مواد وإنزيمات تساعد في مقاومة بعض أنواع البكتيريا، بينما تعمل أحماض المعدة على القضاء على عدد كبير من الميكروبات التي يتم ابتلاعها.

كما أن البكتيريا الطبيعية الموجودة في الأمعاء تشكل مجتمعًا ميكروبيًا مستقرًا يمكنه منافسة البكتيريا الجديدة التي تحاول الاستقرار في الجهاز الهضمي.

لكن هذه الحواجز قد تضعف في بعض الظروف، خاصة مع الالتهابات أو اضطراب وظائف الجهاز المناعي أو حدوث تغيرات في البيئة الميكروبية للأمعاء.

وعندما تتراجع هذه الدفاعات، قد تتمكن بعض البكتيريا التي نشأت في الفم من الوصول إلى الأمعاء والاستقرار فيها لفترات أطول.

ويرى الباحثون أن هذه العملية قد تكون أحد التفسيرات المحتملة لارتفاع مؤشر التداخل بين ميكروبات الفم والبراز لدى الأشخاص المصابين بالسرطان.

هل تكشف المضمضة السرطان قبل ظهوره؟

خلايا السرطان

 

رغم النتائج الواعدة، لا تزال هناك أسئلة أساسية لم تتم الإجابة عنها.

فالدراسة شملت أشخاصًا لديهم بالفعل تشخيص بالسرطان، ولذلك لا يمكن للباحثين حتى الآن تحديد ما إذا كان ارتفاع مؤشر الفم إلى البراز يظهر قبل الإصابة بالسرطان، أو أنه يحدث بعد نشوء الورم نتيجة التغيرات التي يسببها المرض في الجسم.

كما لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت زيادة انتقال بعض البكتيريا من الفم إلى الأمعاء يمكن أن تسهم في زيادة خطر الإصابة بالسرطان، أم أن وجود السرطان نفسه يغير البيئة داخل الجهاز الهضمي بطريقة تسمح لهذه البكتيريا بالاستقرار، أو أن الأمر يحدث في الاتجاهين معًا.

ويخطط الفريق لإجراء دراسة لاحقة تشمل أشخاصًا لا يعانون تشخيصًا معروفًا بالسرطان، بهدف معرفة ما إذا كانت البصمة الميكروبية الفموية يمكن أن تظهر قبل المرض.

كما يسعى الباحثون إلى تطوير نسخة أكثر تفصيلًا من الاختبار، تعتمد على قراءة نطاق أكبر من الجينوم البكتيري بدلًا من الاعتماد على جين أو مؤشر وراثي واحد.

اختبار واعد لكنه ليس جاهزًا للاستخدام الطبي

يشدد الباحثون على أن استخدام المضمضة للكشف عن سرطان المعدة أو القولون لا يزال بعيدًا عن التطبيق الطبي الروتيني.

وقبل اعتماد هذا الأسلوب في برامج الفحص، سيكون من الضروري إجراء دراسات سريرية واسعة على أشخاص من الفئات المستهدفة بالفحص، بدلًا من الاعتماد على مجموعات تضم مرضى تم تشخيصهم بالفعل.

ومع ذلك، تفتح النتائج الباب أمام تطوير اختبار بسيط وغير جراحي يمكن أن يعتمد على عينة من الفم للكشف عن مؤشرات مرتبطة بسرطانات الجهاز الهضمي.

وقد تكون هذه الطريقة ذات أهمية خاصة في الكشف عن سرطان المعدة، الذي لا يخضع حاليًا لفحص روتيني واسع النطاق في الولايات المتحدة لدى الأشخاص الذين لا ينتمون إلى فئات مرتفعة الخطورة.

وفي حال أكدت الدراسات المستقبلية النتائج، يمكن أن تصبح بصمة البكتيريا الموجودة في الفم أداة إضافية للمساعدة في تحديد الأشخاص الذين يحتاجون إلى فحوص أكثر دقة، بما قد يسهم في اكتشاف بعض السرطانات في مراحل أبكر.

Exit mobile version