ريميني- محمد حسن
حذرت صناعة الغاز الطبيعي المسال في إيطاليا من مخاطر انتقال الاستثمارات والإنتاج إلى أسواق أوروبية أخرى، رغم امتلاك البلاد واحدة من أكثر سلاسل إمداد الغاز الحيوي المسال تطورًا في أوروبا، وشبكة توزيع تضم أكثر من 180 نقطة بيع، جرى إنشاؤها باستثمارات خاصة بلغت 300 مليون يورو خلال أقل من 15 عامًا.
وجاء التحذير خلال فعاليات معرض إيكوموندو 2026 في مدينة ريميني الإيطالية، حيث شاركت جمعية Assogasliquidi، ممثلة لقطاع الغاز الطبيعي المسال، في نقاش بعنوان «تنافسية الغاز الحيوي المسال في النقل البري الثقيل والنقل البحري: جهود الشركات والعوامل المُمكّنة»، واستضافت الفعالية في جناح اتحاد الصناعات الكيميائية الإيطالي (Federchimica).
وقالت الجمعية إن إيطاليا تقف أمام مفترق طرق، إذ يمكنها تعزيز مكانتها بين الدول الأوروبية الرائدة في سلسلة إمداد الغاز الطبيعي المسال الحيوي (BioLNG)، والاستفادة من النمو المتوقع للقطاع، أو ترك المجال أمام دول أخرى لجني ثمار الاستثمارات الاستراتيجية والبنية التحتية التي أنجزتها الشركات الإيطالية خلال السنوات الماضية.
ووجهت الجمعية رسالتها إلى الحكومة الإيطالية، ولا سيما وزارات الشركات وصناعة «صنع في إيطاليا» (MIMIT)، والبيئة وأمن الطاقة (MASE)، والاقتصاد والمالية (MEF).
وأوضحت أن القطاع الخاص استثمر بالفعل 300 مليون يورو لإنشاء شبكة توزيع تضم أكثر من 180 نقطة بيع، وهي الأكبر على مستوى أوروبا، كما تستفيد إيطاليا من واحدة من أكثر سلاسل إنتاج وتوريد الغاز الحيوي تطورًا في القارة، بدعم من الموارد العامة واستثمارات الخطة الوطنية للتعافي والقدرة على الصمود (PNRR).
صعوبات اعتماد الوقود وفروق الحوافز تهدد السوق الإيطالية
ورغم هذه الاستثمارات، تواجه إيطاليا خطر عدم الاستفادة من القيمة الاقتصادية والبيئية التي يمكن أن تحققها هذه البنية التحتية، بسبب صعوبات اعتماد الغاز الحيوي المسال وفقًا لمعايير أنظمة تداول الانبعاثات الأوروبية (ETS)، بما يتيح لأسواق خارجية الاستفادة من قيمته البيئية، فضلًا عن توجيه حصة متزايدة من الإنتاج الإيطالي إلى أسواق أوروبية أخرى، خاصة ألمانيا، حيث تتوافر ظروف اقتصادية أكثر ملاءمة لاستخدام هذا الوقود.
وأرجعت الجمعية جانبًا رئيسيًا من الفجوة التنافسية بين إيطاليا وألمانيا إلى نظام حصص خفض انبعاثات غازات الدفيئة الألماني (THG-Quote)، الذي يلزم الجهات التي تطرح الوقود الأحفوري للاستهلاك بخفض الانبعاثات المرتبطة بالوقود الذي تسوقه بصورة تدريجية.
ويمنح هذا النظام قيمة اقتصادية كبيرة للغاز الحيوي المسال، إذ يمكن للشركات الملزمة بتحقيق مستهدفات خفض الانبعاثات الوفاء بالتزاماتها من خلال إدخال أنواع الوقود المتجددة إلى السوق، أو شراء شهادات تصدر مقابل تخفيضات فعلية في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تحققها جهات أخرى.
وينشئ هذا النظام طلبًا مستمرًا على أنواع الوقود منخفضة الانبعاثات، ويوفر قيمة اقتصادية لكل طن من ثاني أكسيد الكربون يجري تجنب انبعاثه.
وقال كوستانتينو أمادياي، رئيس مجموعة الغاز الطبيعي المسال في جمعية Assogasliquidi، إن هذا النظام يسهم في خفض السعر النهائي للغاز الحيوي المسال، ويكافئ المنتجات ذات الكثافة الكربونية الأقل، مثل الغاز الحيوي المسال الناتج عن مخلفات تربية الحيوانات والمنتجات الثانوية الزراعية.
وأضاف أن سعر هذا الوقود في ألمانيا قد يكون أقل بما يصل إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بسعره في إيطاليا، مشددًا على ضرورة اتخاذ إجراءات تحول دون انتقال الاستثمارات إلى الخارج.
وبحسب الجمعية، تؤدي هذه الفجوة إلى تراجع شبكة توزيع الغاز الطبيعي المسال الإيطالية إلى ما دون مستوى الجدوى الاقتصادية، كما تهدد فرص الطلب الأعلى قيمة، خاصة في قطاعي النقل البحري والنقل البري الثقيل.
مقترحات Assogasliquidi لتعزيز تنافسية الغاز الحيوي المسال
طرحت الجمعية مجموعة من المقترحات لتجنب انتقال القيمة الاقتصادية الناتجة عن الحوافز الإيطالية إلى الأسواق الخارجية، وبناء طلب محلي قادر على استيعاب الإنتاج الوطني وتحقيق عائد اقتصادي وبيئي منه.
وتتضمن المقترحات إجراء حوار فني لتطوير نظام يمنح قيمة اقتصادية لثاني أكسيد الكربون الذي جرى تجنب انبعاثه، بما يكافئ استخدام الغاز الحيوي المسال عند استهلاكه، على غرار أفضل التجارب الأوروبية في هذا المجال.
وعلى المستوى التنظيمي، دعت الجمعية إلى تبسيط إجراءات اعتماد الغاز الحيوي المسال الإيطالي، بما يسمح باستخدامه بصورة كاملة في الأسواق المرتبطة بنظام تداول الانبعاثات الأوروبي الأول (EU ETS1)، والنظام الثاني (ETS2)، ولائحة الوقود البحري الأوروبية (FuelEU Maritime)، التي يمكن أن تعترف بصورة أكبر بالقيمة البيئية لهذا الوقود.
كما طالبت بتعزيز الحوافز الموجهة إلى الغاز الحيوي المسال ذي الكثافة الكربونية السلبية، وإزالة بعض القيود التنظيمية التي تحد من تطور السوق المحلية.
تخصيص 25% من دعم تجديد أسطول النقل للشاحنات العاملة بالغاز
وفيما يتعلق بقطاع النقل البري، طالبت Assogasliquidi بالإسراع في إصدار المرسوم التنفيذي لوزارة النقل الإيطالية، اللازم لتفعيل صندوق بقيمة 590 مليون يورو مخصص لتجديد أسطول مركبات شركات النقل البري.
واقترحت الجمعية تخصيص حصة لا تقل عن 25% من التمويل للمركبات العاملة بالغاز الطبيعي المسال والغاز الحيوي المسال، مع ألا تقل قيمة الدعم المقدم لكل مركبة عن 40 ألف يورو.
وفي سياق المناقشات الجارية بشأن مشروع قانون الموازنة الإيطالية لعام 2027، شددت الجمعية على ضرورة توسيع نطاق الأحكام والحوافز المقررة لدعم إنتاج الغاز الحيوي، لتشمل استخدامه في قطاع النقل أيضًا.
كما دعت إلى استحداث ائتمان ضريبي للشركات العاملة في النقل البري، لتغطية النفقات المرتبطة باستخدام الغاز الطبيعي المسال، مع منح حوافز أكبر عند شراء الغاز الحيوي المسال.
وشملت المقترحات كذلك تقديم تخفيضات على رسوم المرور بالطرق السريعة للمركبات العاملة بالغاز الطبيعي المسال والغاز الحيوي المسال، إلى جانب توفير حوافز شراء المركبات مباشرة في صورة خصم من قيمة الفاتورة.
مطالب بتعديل التشريعات الأوروبية الخاصة بانبعاثات الشاحنات
وعلى المستوى الأوروبي، اعتبرت الجمعية أن مراجعة اللائحة الأوروبية رقم 2019/1242، المتعلقة بمعايير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للمركبات الثقيلة، أصبحت ضرورة للاعتراف بمساهمة أنواع الوقود المتجددة في خفض الانبعاثات.
واقترحت إدخال فئة جديدة للمركبات التي تعمل حصريًا بأنواع الوقود المتجددة المعتمدة وفقًا لتوجيه الطاقة المتجددة الأوروبي RED III، على أن تُستثنى هذه المركبات من حساب متوسط انبعاثات أساطيل المركبات، إلى جانب إعادة تقييم المستهدفات الحالية بما يتناسب مع ظروف السوق الفعلية.
وطالبت الجمعية الحكومة الإيطالية، ووزارة البيئة على وجه الخصوص، بإيلاء اهتمام خاص لمراجعة المفوضية الأوروبية للائحة التنفيذية الأوروبية رقم 2022/996 والملاحق الفنية المرتبطة بتوجيه الطاقة المتجددة (RED).
ويستهدف هذا التحرك، وفقًا للجمعية، حماية خدمة «التسييل الافتراضي» (Virtual Liquefaction) التي تقدمها محطات إعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال الإيطالية، بما يحافظ على دور هذه المنشآت في سلسلة إمداد الغاز الحيوي المسال.
ما بعد 2030.. فرصة لدعم الوقود المتجدد في النقل الثقيل
وترى Assogasliquidi أن النقاشات الأوروبية والإيطالية بشأن الإطار التنظيمي المستقبلي للطاقة المتجددة بعد عام 2030 تمثل فرصة لتطوير أدوات قادرة على دعم تنافسية الغاز الحيوي المسال داخل إيطاليا، وتسريع خفض الانبعاثات في قطاع النقل الثقيل، وتعزيز سلسلة صناعية استراتيجية قائمة بالفعل في البلاد.
وأكدت الجمعية أن إيطاليا تخاطر بالتنازل لدول أخرى عن القيمة الاقتصادية لسلسلة إمداد أنشأتها باستثمارات عامة وخاصة، وتعد من بين الأكثر تطورًا في أوروبا.
وشددت على أن المرحلة الحالية تتطلب استكمال الاستثمارات القائمة بأدوات تضمن الاعتراف بالقيمة البيئية للوقود المتجدد داخل السوق المحلية، وتمنع انتقال الاستثمارات والإنتاج والمزايا التنافسية إلى الخارج.





