نجح فريق بحثي بقيادة علماء من جامعة ييل الأمريكية في تطوير أول جهاز مستقل قادر على إنتاج الوقود السائل “الميثانول” باستخدام ضوء الشمس والماء وثاني أكسيد الكربون فقط، في إنجاز يمثل خطوة كبيرة نحو محاكاة عملية التمثيل الضوئي الطبيعية وتحويل الطاقة الشمسية إلى وقود قابل للتخزين والاستخدام.
وأطلق الباحثون على الجهاز اسم “الورقة الاصطناعية”، نظرًا إلى قدرته على تقليد الطريقة التي تستخدمها النباتات لتحويل ضوء الشمس والماء إلى طاقة كيميائية.
ووفقًا للدراسة المنشورة في دورية Journal of the American Chemical Society، حقق النظام الجديد كفاءة في تحويل الطاقة الشمسية إلى ميثانول تفوق الرقم القياسي السابق لتقنيات الأوراق الاصطناعية المنتجة للكحوليات بنحو 32 مرة.
فوائد بيئية واقتصادية
يحمل الابتكار الجديد العديد من المزايا البيئية والاقتصادية، إذ يساهم في سحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء، وهو أحد أبرز الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وتحويله إلى مادة الميثانول التي تُستخدم على نطاق واسع كمواد أولية في الصناعات الكيميائية، فضلًا عن كونها وقودًا سائلًا بديلًا منخفض الانبعاثات.
كما يقدم النظام نموذجًا واعدًا لتخزين الطاقة الشمسية في صورة وقود كيميائي يمكن نقله واستخدامه عند الحاجة، وهو أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع الطاقة المتجددة.
وقال البروفيسور هايليانغ وانغ، أستاذ الكيمياء في جامعة ييل والباحث الرئيسي في الدراسة، إن النتائج الأولى كانت مشجعة للغاية، مشيرًا إلى أن التقنية الجديدة تقترب من الطريقة التي تعتمدها الطبيعة في إنتاج الطاقة.
محفز متطور لتحويل الكربون إلى وقود
يرتكز النظام الجديد على اكتشافين رئيسيين طورهما فريق وانغ خلال السنوات الماضية، ويتمثل العنصر الأول في محفز كيميائي خاص جرى تطويره عام 2019، قادر على تحويل ثاني أكسيد الكربون والماء إلى ميثانول باستخدام الكهرباء.
ويعتمد هذا المحفز على تثبيت جزيئات من مركب فثالوسيانين الكوبالت فوق أنابيب نانوية كربونية دقيقة تعمل كمسارات فائقة الكفاءة لنقل الإلكترونات إلى مواقع التفاعل الكيميائي.
ويُعد تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى ميثانول عملية معقدة تتطلب نقل ستة إلكترونات إلى كل جزيء من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما لم يكن متاحًا في الأنظمة السابقة التي كانت تقتصر غالبًا على تفاعلات أبسط تنتج أول أكسيد الكربون فقط.
أقطاب ضوئية تعزز الكفاءة
أما العنصر الثاني فيتمثل في قطب ضوئي متطور صممه الباحث بو شانغ، ويتكون من مصفوفة من الأعمدة الدقيقة المصنوعة من السيليكون والمغطاة بطبقة من الكربون الفوليريني.
ويتميز هذا التصميم بقدرته العالية على امتصاص الضوء وتوليد الشحنات الكهربائية وفصلها بكفاءة، إضافة إلى توفير مساحة سطحية كبيرة لتثبيت المحفز الكيميائي.
وساهم هذا الهيكل في تحقيق أعلى كفاءة معروفة حتى الآن لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى ميثانول باستخدام أنظمة ضوئية قائمة على السيليكون.
من المختبر إلى التطبيقات المستقبلية
أوضح الباحث بو شانج، أن تطوير جهاز قادر على العمل بصورة مستقلة باستخدام ضوء الشمس والماء وثاني أكسيد الكربون فقط كان يبدو هدفًا بعيد المنال في بداية المشروع.
وأضاف أن الفريق أمضى نحو خمس سنوات في تطوير جميع مكونات الجهاز ضمن مشروع بحثي مشترك يضم سبع مؤسسات علمية أمريكية متخصصة في تحويل الطاقة الشمسية إلى وقود سائل.
وأكد أن مشاهدة الجهاز وهو ينتج وقودًا قابلًا للاستخدام من مكونات بسيطة متوافرة في الطبيعة تمثل لحظة فارقة في مسار البحث العلمي.
خطوة نحو اقتصاد منخفض الكربون
يرى الباحثون، أن التقنية الجديدة قد تسهم مستقبلًا في دعم جهود إزالة الكربون من الغلاف الجوي، مع توفير مصدر مستدام للوقود والمواد الكيميائية.
كما يمكن أن تفتح الباب أمام تطوير أنظمة متقدمة لتحويل الطاقة الشمسية مباشرة إلى وقود سائل، ما يعزز أمن الطاقة ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ويواصل الفريق البحثي العمل على تحسين تصميم “الورقة الاصطناعية” ورفع كفاءتها التشغيلية، تمهيدًا لتطوير نماذج أكثر قدرة على العمل على نطاق صناعي خلال السنوات المقبلة.
