كشفت دراسة علمية حديثة عن إمكانات واعدة لإحدى الإسفنجيات البحرية في المساهمة باستعادة الموانئ الملوثة، بعدما أثبتت قدرتها على البقاء في بيئات بحرية شديدة التلوث، إلى جانب تنقية المياه من الملوثات والجراثيم.
ونشرت الدراسة في دورية Frontiers in Marine Science، وركزت على إسفنجة البحر المعروفة باسم “كلية الدجاج” (Chondrosia reniformis)، التي أظهرت سلوكًا غير مألوف يتمثل في قدرتها على التحرك ببطء فوق الأسطح الصخرية، خلافًا لمعظم الإسفنجيات التي تبقى ثابتة في مكانها طوال حياتها.
إسفنجة تتحرك في ميناء ملوث
تابع الباحثون الإسفنج لمدة 455 يومًا داخل ميناء “مارينا بالاموس” على ساحل البحر المتوسط في إسبانيا، حيث تحركت بعض العينات لمسافة بلغت 12.7 سنتيمترًا، بينما نفقت معظم الكائنات البحرية الأخرى التي خضعت للتجربة في البيئة نفسها.
وتُعد الموانئ من أكثر البيئات البحرية تعرضًا للتدهور، إذ تتراكم فيها الزيوت والنفايات والمواد السامة الناتجة عن دهانات السفن، إلى جانب الضوضاء وحركة السفن والكائنات الدخيلة التي تنتقل عبر مياه الاتزان، ما يؤدي إلى تراجع التنوع الحيوي.
مرشح طبيعي لاستعادة البيئات البحرية
يرى الباحثون، أن الإسفنجيات البحرية تُعد من أفضل الكائنات القادرة على استعادة البيئات الساحلية المتدهورة، إذ يمكن لمستعمرة واحدة ترشيح مئات الجالونات من مياه البحر يوميًا، وإزالة المعادن الثقيلة والبكتيريا والفيروسات من المياه.
وقال الدكتور مانويل مالدونادو، الباحث في مركز الدراسات المتقدمة في بلانيس بإسبانيا، إن نتائج الدراسة تشير إلى أن بعض أنواع الإسفنج تمتلك إمكانات استثنائية يمكن استغلالها في ترميم الموائل البحرية المتدهورة داخل الموانئ.
مقارنة بين خمسة أنواع
اختبر الفريق البحثي خمسة أنواع شائعة من الإسفنج في البحر المتوسط، جُمعت من أعماق تراوحت بين 7 و12 مترًا، بهدف معرفة أكثرها قدرة على تحمل الظروف البيئية القاسية.
وزُرعت العينات على ألواح خزفية ثم ثُبتت على جدار بحري داخل الميناء بالقرب من محطة تزويد السفن بالوقود، حيث خضعت للمراقبة الدورية بالتصوير تحت الماء.
وأظهرت النتائج فشل أربعة أنواع في التكيف، إذ مات بعضها قبل بدء التجربة، بينما تدهورت الأنواع الأخرى تدريجيًا حتى نفقت بالكامل خلال نحو 165 يومًا.
في المقابل، حققت إسفنجة “كلية الدجاج” أعلى معدلات النجاح، إذ بقي 22 فردًا من أصل 24 على قيد الحياة حتى نهاية الدراسة، بنسبة بقاء بلغت 91.7%.
قدرة على الحركة والهروب من الظروف القاسية
وثقت الدراسة قدرة جميع العينات من هذا النوع على الزحف فوق الأسطح التي ثُبتت عليها، حيث سجلت إحدى الإسفنجيات حركة بلغت نحو 12.7 سنتيمترًا، بينما تحركت أخرى لمسافات تراوحت بين 6 و8 سنتيمترات.
وأوضح الباحثون أن هذه القدرة تمنح الإسفنجة فرصة للابتعاد عن المناطق المعرضة للإشعاع فوق البنفسجي أو الرواسب الملوثة أو الكائنات المنافسة، والانتقال إلى أماكن أكثر حماية.
تكاثر سريع رغم التلوث
لم تكتفِ الإسفنجة بالبقاء على قيد الحياة، بل تكاثرت أيضًا خلال أشهر الصيف عبر الانقسام اللاجنسي، حيث انقسمت سبع إسفنجيات إلى أفراد جديدة، ما أدى إلى زيادة العدد من 24 إلى 40 إسفنجة رغم ارتفاع مستويات التلوث وكثافة حركة القوارب.
كما سجل الباحثون حالة لإحدى النسخ الجديدة التي انتقلت إلى الجانب السفلي المظلل من اللوح ونمت بنسبة بلغت نحو 486% خلال أقل من ثلاثة أشهر.
ورغم ذلك، انخفض الحجم الإجمالي لمعظم الإسفنجيات بعد نقلها إلى الميناء، إذ فقدت في المتوسط نحو 18.6% من حجمها، بينما تمكنت ثلاث عينات فقط من إنهاء التجربة بحجم أكبر من حجمها الأصلي.
الخطوة المقبلة
أكد الباحثون، أن النتائج لا تعني إمكانية استعادة الموانئ الملوثة اعتمادًا على هذا النوع وحده، لكنها تكشف عن مرشح طبيعي واعد يستحق مزيدًا من الدراسة.
ويخطط الفريق لمواصلة مراقبة الإسفنج لعدة سنوات، مع التركيز على دراسة المجتمعات الميكروبية التكافلية التي تعيش داخل أنسجته، والتي يُعتقد أنها تلعب دورًا مهمًا في زيادة قدرته على تحمل الملوثات والعيش في البيئات البحرية القاسية.
