وجه أنطونيو جوتيريش، في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة، تحذيرًا حادًا بشأن تصاعد أزمة المناخ، منتقدًا استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، ومطالبًا الدول بالتحرك نحو خطط واضحة للابتعاد عنه.
وقال جوتيريش إن مصالح الوقود الأحفوري لم تتراجع من تلقاء نفسها، وإن شركات النفط الكبرى تعاملت، على مدى عقود، مع الغلاف الجوي باعتباره «مجرى صرف مفتوحًا»، بينما حققت أرباحًا من العواقب الناتجة عن ذلك.
وأضاف في كلمته أمام قادة العالم في نيويورك أن من تسببوا في أكبر قدر من التلوث وحققوا أكبر قدر من الأرباح، عليهم بذل المزيد لإصلاح الأضرار التي تسببوا فيها، مؤكدًا: «الملوثون يجب أن يدفعوا».
جوتيريش: أزمة المناخ أصبحت واقعًا يوميًا
استعاد غوتيريش في خطابه تحذيرًا أطلقه قبل 3 سنوات خلال زيارته إلى جبال نيبال، عندما تحدث عن التسارع الخطير في ذوبان الأنهار الجليدية، محذرًا من أن «أسطح العالم» تنهار.
وقال إن الأحداث المأساوية الأخيرة أثبتت أن تداعيات أزمة المناخ تصل في وقت أبكر مما كان متوقعًا، وتضرب بقوة أكبر، وتمتد إلى مناطق أوسع.
ويأتي تحذيره في وقت تشهد فيه مناطق مختلفة من العالم موجات حر وحرائق غابات وكوارث مرتبطة بتغير المناخ، بالتزامن مع تنامي ظاهرة «إل نينيو» التي يُتوقع أن تدفع درجات الحرارة العالمية إلى مستويات قياسية جديدة.
وتؤكد الأمم المتحدة أن أزمة المناخ انتقلت من كونها تحذيرًا بعيد المدى إلى واقع يومي، وأن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية أصبح شبه مؤكد، ما يزيد الحاجة إلى تسريع إجراءات خفض الانبعاثات والتكيف مع الآثار المناخية.
أرباح شركات النفط مقابل تمويل التكيف
سلّط جوتيريش الضوء على فجوة كبيرة بين أرباح شركات النفط والغاز والتمويل المتاح لمساعدة الدول النامية على التكيف مع آثار تغير المناخ.
وقال إن 5 شركات نفط غربية كبرى حققت منذ الغزو الروسي لأوكرانيا أرباحًا تقترب من 500 مليار دولار، في حين بلغ التمويل العام الدولي المخصص للتكيف في الدول النامية نحو 34 مليار دولار فقط في أحدث عام تتوافر عنه بيانات.
واعتبر أن هذا التفاوت يعكس حجم التحدي أمام تحقيق العدالة المناخية، خصوصًا بالنسبة إلى الدول والمجتمعات الأكثر تعرضًا لآثار ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة.
دعوة إلى خطط وطنية للابتعاد عن الوقود الأحفوري
دعا غوتيريش جميع الحكومات إلى اعتماد خطط وطنية للانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري، على أن تتوافق هذه الخطط مع هدف الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية، وأن تتضمن جداول زمنية واضحة وحماية للعمال والمجتمعات المتضررة من التحول في قطاع الطاقة.
وتشمل دعوته أيضًا إنهاء إزالة الغابات، والاستثمار في شبكات الكهرباء وأنظمة تخزين الطاقة، وخفض انبعاثات الميثان.
وقالت الأمم المتحدة إن غوتيريش دعا كذلك الدول المتقدمة إلى مضاعفة تمويل التكيف 3 مرات، والعمل على جعل صندوق الخسائر والأضرار يعمل على نطاق واسع، مشيرًا إلى أن الموارد المتاحة للصندوق حاليًا محدودة للغاية مقارنة بحجم الأزمة.
«عصر ما بعد الوقود الأحفوري بات في الأفق»
أكد غوتيريش أن مستقبلًا يتجاوز الوقود الأحفوري أصبح في متناول العالم، لكنه طرح تساؤلًا حول كيفية تحقيق هذا التحول.
وقال إن الخيار يتمثل في انتقال عادل ومنظم يقوم على التعاون الدولي، أو انتقال فوضوي ومكلف قد يترك دولًا ومجتمعات خلف الركب.
وأشار إلى أن الطاقة المتجددة أصبحت أرخص مصدر جديد للكهرباء في معظم أنحاء العالم، معتبرًا أنها تمثل مسارًا مهمًا نحو أمن الطاقة والاستقلال والنمو المستدام.
وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع انعقاد قمة المناخ 2026 في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، والتي تركز على تسريع التحول في الطاقة، وتعزيز أمن الطاقة والعدالة المناخية وحماية السكان من آثار أزمة المناخ.
لماذا يطالب جوتيريش الملوثين بالدفع؟
ربط الأمين العام للأمم المتحدة قضية المناخ بمفهوم المساءلة، مستشهدًا بتجربة مكافحة أضرار التبغ، وقال إن أزمة المناخ تتطلب مستوى مماثلًا من الحزم عندما تصبح الأضرار الناجمة عن الأنشطة الملوثة واضحة.
وتأتي دعوته في إطار أوسع لمطالبات الأمم المتحدة بزيادة التمويل الموجه إلى الدول النامية لمواجهة آثار تغير المناخ، خصوصًا التكيف والخسائر والأضرار.
ويؤكد غوتيريش أن الدول التي ساهمت بدرجة أكبر في التلوث، وحققت شركاتها أرباحًا كبيرة من الأنشطة المرتبطة بالوقود الأحفوري، تتحمل مسؤولية أكبر في دعم جهود مواجهة تداعيات الأزمة.
فجوة بين التحذيرات والتحرك السياسي
رغم تصاعد الأدلة على آثار تغير المناخ، أشار غوتيريش إلى أن الأزمة لا تحظى بالاهتمام السياسي الذي يتناسب مع حجم المخاطر.
وتأتي تصريحاته في وقت تركز فيه أجندة الأمم المتحدة على مجموعة من الأزمات المتشابكة، من الحروب والصراعات إلى عدم المساواة والذكاء الاصطناعي، إلا أن الأمم المتحدة تضع المناخ ضمن الاختبارات الرئيسية التي تواجه النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة.
كما أظهرت أجندة قمة المناخ 2026 تركيزًا على ملفات الطاقة، وتمويل التكيف، والميثان، والتمويل المناخي، والتصنيع الأخضر، في محاولة لدفع الدول نحو إجراءات عملية بدلًا من الاكتفاء بالتعهدات.
جوتيريش يختتم ولايته برسالة مناخية حادة
يمثل خطاب 22 سبتمبر محطة بارزة في نهاية ولاية غوتيريش، الذي جعل أزمة المناخ واحدة من القضايا الرئيسية في خطابه خلال سنوات توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة، وضع غوتيريش تغير المناخ ضمن أربعة اختبارات رئيسية للقوة تواجه العالم، إلى جانب الحرب والسلام، وعدم المساواة، والذكاء الاصطناعي.
وحذر من أن أزمة المناخ تمثل، في نظره، أحد أكبر اختلالات القوة بين الأجيال، داعيًا إلى تعاون دولي أكثر قوة لمواجهة تداعياتها.
وتنتهي ولاية جوتيريش الثانية في نهاية عام 2026، فيما تستعد الأمم المتحدة لانتقال القيادة إلى أمين عام جديد، في مرحلة تتزايد خلالها الضغوط لتسريع خفض الانبعاثات، وتمويل التكيف، ودعم التحول العالمي في قطاع الطاقة.
