لطالما صُوِّر تناول الطعام الصحي والصديق للبيئة على أنه خيار مكلف، لا يتاح إلا لمن يملكون ميزانيات مرتفعة ومستعدين لتقديم تضحيات كبيرة، لكن تحليلًا عالميًا جديدًا يُفنِّد هذه الفكرة، مؤكدًا أن الأكل الصحي قد يكون أقل تكلفة، وفي الوقت نفسه أفضل للكوكب.
باحثون في كلية فريدمان للعلوم والسياسات الغذائية بجامعة تافتس الأمريكية درسوا أنماط الشراء الغذائي الفعلية حول العالم، وقارنوها بأرخص الأنظمة الغذائية الممكنة التي تلبي الاحتياجات الغذائية الأساسية وتُبقي انبعاثات غازات الدفيئة عند مستويات منخفضة.
وعبر مختلف الدول والثقافات الغذائية، برز نمط واضح: الخيارات الأقل تكلفة داخل معظم المجموعات الغذائية تميل أيضًا إلى امتلاك بصمة كربونية أقل.
وتأتي هذه النتائج في وقت تتعرض فيه النظم الغذائية العالمية لضغوط متزايدة لخفض الانبعاثات دون تعميق أزمة انعدام الأمن الغذائي، ما يمنح صانعي السياسات والمستهلكين على حد سواء خبرًا إيجابيًا نادرًا.
مقارنة بين التكلفة والتغذية والانبعاثات
اعتمد الباحثون على ثلاثة مصادر بيانات لكل عنصر غذائي: التوافر المحلي والتكلفة، ومدى شيوعه في النظام الغذائي الوطني، ومتوسط بصمته الكربونية عالميًا لكل وحدة.
وتم تصميم خمسة سيناريوهات غذائية لكل دولة، شملت النظام الصحي الأقل انبعاثًا، والنظام الصحي الأقل تكلفة، وثلاثة أنظمة مبنية على الأطعمة الشائعة الاستهلاك.
وأوضحت إيلينا مارتينيز، الباحثة الرئيسية في الدراسة، أن اختيار البدائل الأرخص داخل كل مجموعة غذائية يُعد طريقة موثوقة لخفض البصمة المناخية للنظام الغذائي، مؤكدة أن الدراسة ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر البحث عن العناصر القادرة على تلبية الاحتياجات الصحية بأقل أثر مناخي ممكن.
أطعمة رخيصة وصديقة للمناخ
وبالاستناد إلى بيانات عام 2021، تبيّن أن النظام الغذائي الصحي المبني على أكثر الأطعمة استهلاكًا ينتج نحو 5.38 أرطال من مكافئ ثاني أكسيد الكربون للفرد يوميًا، بتكلفة متوسطة تبلغ 9.96 دولارات.
في المقابل، خفّض النظام المصمم خصيصًا لتقليل الأضرار المناخية الانبعاثات إلى 1.48 رطل فقط، مع تكلفة 6.95 دولارات يوميًا. أما النظام الأقل تكلفة فبلغت انبعاثاته 3.64 أرطال مقابل 3.68 دولارات فقط.
وسجّل سيناريو عملي يجمع بين الأطعمة الشائعة والبدائل الصحية الأرخص متوسط تكلفة 6.33 دولارات يوميًا وانبعاثات قدرها 4.10 أرطال.
لماذا يرتبط السعر المنخفض بانبعاثات أقل؟
في معظم الفئات الغذائية، تعتمد المنتجات الأرخص على كفاءة إنتاج أعلى، ومعالجة أبسط، وسلاسل توريد أقصر، ما يقلل استهلاك الوقود الأحفوري وتغير استخدام الأراضي، وهما من أكبر مصادر الانبعاثات الغذائية.
غير أن هذا النمط لا يخلو من استثناءات، خاصة في مجموعتين أساسيتين: الأغذية الحيوانية والنشويات.
تعقيدات الأغذية الحيوانية
يُعد الحليب في كثير من الدول الخيار الأرخص من حيث السعرات الحرارية ضمن الأغذية الحيوانية، كما أن انبعاثاته أقل بكثير من لحوم الأبقار. إلا أن أسماكًا صغيرة دهنية مثل السردين والماكريل تقدم بدائل ذكية، بتكلفة متوسطة وانبعاثات أقل، بفضل كفاءتها الغذائية وطبيعة معالجتها.
التكلفة المناخية الخفية للأرز
في فئة النشويات، غالبًا ما يكون الأرز الخيار الأرخص، لكنه ليس الأقل انبعاثًا. فالحقول المغمورة بالمياه تطلق غاز الميثان نتيجة تحلل المواد العضوية، ما يجعل الأرز صفقة اقتصادية على المدى القصير، لكنها مكلفة مناخيًا.
ويشير الباحثون إلى أن استبدال جزء من استهلاك الأرز بالقمح أو الذرة يمكن أن يخفض الانبعاثات دون تحميل الميزانيات أعباء إضافية.
قاعدة بسيطة للمستهلكين وصانعي السياسات
توفر نتائج الدراسة دليلًا عمليًا للحكومات لتنسيق سياسات التغذية والمناخ، عبر دعم الأطعمة الأرخص والأقل انبعاثًا في برامج الدعم والوجبات المدرسية، مع الاستثمار في تقنيات خفض الميثان في زراعة الأرز وإنتاج الألبان.
أما بالنسبة للمستهلكين، فالقاعدة بسيطة: داخل كل فئة غذائية، الخيار الأرخص غالبًا ما يكون الأكثر صداقة للبيئة، مع الانتباه إلى الإفراط في الاعتماد على الأرز ومنتجات الألبان عالية الانبعاثات.
وتخلص الدراسة، المنشورة في دورية نيتشر فود، إلى أن اتباع نظام غذائي صحي لا يعني بالضرورة إنفاق المزيد، بل قد يكون أحد أسهل الطرق لحماية المناخ وتخفيف الأعباء المالية في آن واحد.
