علاقة اللحم بالرجولة.. كيف تدفع “السوشيال ميديا” الشباب نحو أكل اللحوم؟
جيل Z يتراجع عن النباتية.. 40% من الشباب يتناولون لحومًا أكثر!
الرجولة مقابل البيئة.. هل يفضل الشباب العضلات على الكوكب؟
يتجه الشباب بشكل متزايد نحو تناول اللحوم، إذ يتناول 40% ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا المزيد من البروتين الحيواني مقارنة بالعام الماضي، وفقًا لتقرير صادر عن منظمة Hubbub البيئية غير الربحية في المملكة المتحدة.
“لا أحد يريد أن يكون الرجل الذي يطلب برجر الخضار في المطعم” – هذا التصريح لأحد المشاركين في حملة بريطانية لتقليل استهلاك اللحوم يُجسد الواقع الحالي الذي يربط بين تناول اللحوم والذكورة.
ورغم أن جيل “Z” يُعرف بتبنيه أنماطًا غذائية بديلة، فإن التقرير الجديد يظهر أن الشباب يعيدون النظر في هذا الاتجاه، ويتبنون سلوكًا مختلفًا.
بحسب التقرير، فإن الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا أكثر احتمالًا بمقدار الضعف لزيادة استهلاكهم للحوم مقارنة بباقي الفئات العمرية من الرجال، وبثلاثة أضعاف مقارنة بعامة السكان.
يتناول اثنان من كل خمسة شبان اللحوم يوميًا، ونسبة مماثلة ترفض تقليل استهلاكها.
كما أبدى 17% من هؤلاء الشباب شعورًا بعدم الراحة عند تناول طعام نباتي في الأماكن العامة، مقابل 10% فقط من مجمل سكان بريطانيا، ما يعكس رد فعل سلبي متزايد تجاه النظام الغذائي النباتي.
وتشير دراسة أجرتها شركة “يوغوف” إلى أن النساء أكثر ميلًا بنسبة 50% للقول إنهن نباتيات مقارنة بالرجال.
ويقول أليكس روبنسون، الرئيس التنفيذي لمنظمة Hubbub
“الأمر يرتبط بالهوية والمكانة وصعود ما يُعرف بـ”المجال الذكوري”، مساحات على الإنترنت تعزز فكرة أن اللحم يساوي الرجولة.”

كيف يدفع “المجال الذكوري” الشباب نحو اللحوم؟
يُعرّف تقرير High Steaks الصادر عن Hubbub “المجال الذكوري” بأنه مجموعة من المواقع الإلكترونية والمدونات ومقاطع الفيديو التي تركز على قضايا الرجال، وتروج للأدوار الذكورية التقليدية.
وغالبًا ما تتسم هذه المساحات بعداء للنسوية، وأحيانًا بكراهية صريحة للنساء.
هذا التوجه يُؤثر بعمق في علاقة الشباب باللحوم، ويخلق ثقافة ترى في استهلاك اللحوم دليلاً على القوة والرجولة.
ويعزز هذه الصورة مؤثرون بارزون مثل جوردان بيترسون، وأندرو تيت، وبرايان جونسون الملقب بـ”ملك الكبد”، وجو روغان – جميعهم روجوا لأنظمة غذائية قائمة على اللحوم، متجاهلين أو مشككين في الأضرار الصحية والبيئية المثبتة علميًا.
في إحدى حلقات بودكاست The Joe Rogan Experience، دافع روجان وإيلون ماسك عن تناول لحوم البقر، وشككا في الأثر البيئي للزراعة الحيوانية.
قال ماسك: “تناول الناس للحوم البقر لن يؤثر في ظاهرة الاحتباس الحراري أو في تركيز ثاني أكسيد الكربون، لا أهمية لذلك. تناول ما تشاء.”

أما جونسون، فيتبنّى أسلوب حياة “بدائي” قائم على صيد العظام والسهام وأكل اللحوم النيئة، خصوصًا الكبد، بينما يوصي المؤثر البريطاني إيدي أبرو بتناول 12 بيضة يوميًا، وإضافة دهن البط وكبده إلى مخفوقات البروتين.
ورغم ترويجهم لقوة أجسامهم، فقد اعترف بعضهم باستخدام المنشطات.
ويصف التقرير هؤلاء المؤثرين بأنهم “يخلطون بين الترويج لأكل اللحوم ومعلومات مضللة عن النساء والمناخ، مما يخلق شبكة نفوذ معقدة تضخّمها خوارزميات السوشيال ميديا”.
بين إنكار المناخ وكراهية النساء
يساهم هذا الخطاب في تفشي إنكار تغير المناخ – حيث لا يؤمن 22% من الشباب بأن البشر سبب رئيسي له – وفي تنامي كراهية النساء.
تشير الأبحاث إلى أن نسبة الشباب الذين يعتقدون أن “النساء قادرات على القيادة مثل الرجال” انخفضت من 80% في 2020 إلى 50% فقط اليوم.
تلعب خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في تعزيز هذه المعتقدات عبر عرض محتوى مماثل، مما يحوّل المنصات إلى غرف صدى فكرية.
معضلة الأطعمة النباتية
يشعر الكثير من الشباب بالخجل من تناول الطعام النباتي، جزئيًا بسبب الصورة السلبية التي يعززها المؤثرون الذين يبالغون في أهمية البروتين الحيواني، ويتجاهلون مصادر البروتين النباتي.
ترتبط الأنظمة النباتية في أذهان البعض بـ”الأنوثة”، في مقابل صورة “فتى الصويا” التي تُستخدم كمصطلح تهكمي يُشير إلى شباب يُعتقد أن تناولهم للنباتات يُضعف من رجولتهم.
من خلال تحليل منشورات السوشيال ميديا بين يونيو 2022 ويوليو 2024، تبين أن واحدة من كل عشر منشورات معلوماتية عن اللحوم والنباتيين كانت ذات طابع صراعي، تصور اللحوم كجزء من هوية مناهِضة للنخبة والنظام، وتهاجم النباتيين باعتبارهم “طائفيين” أو “ضعفاء”.
ويظهر الاستطلاع أن 24% من الشباب لا يرغبون حتى في تجربة بدائل اللحوم النباتية، مقارنة بـ15% فقط من النساء.
لذا، ترى Hubbub أن تغيير السلوك يتطلب التركيز على الرسائل التي تهم الشباب فعلًا: الصحة، اللياقة، البروتين، والسعر، بدلًا من الاكتفاء بالأسباب البيئية والأخلاقية.

ماذا يريد الشباب؟
يركز الشباب بشكل كبير على اللياقة البدنية ونمو العضلات، ما يجعل تثقيفهم بمصادر البروتين النباتي الغنية أمرًا ضروريًا.
كما أن اللحوم تُعد باهظة الثمن في دول مثل بريطانيا مقارنة بالخضروات والفواكه، مما يجعل عامل التكلفة ورقة رابحة في إقناعهم.
ويجب على صناعة الأغذية النباتية إبراز فوائد أخرى، مثل تحسين البشرة والنوم وصحة الجهاز الهضمي، وليس فقط بناء العضلات.
وتقول منظمة Hubbub ، “الأمر لا يتعلق بالتوقف عن تناول اللحوم تمامًا، بل بإضافة المزيد من الفاصوليا والمكسرات والخضروات إلى النظام الغذائي.”
الحاجة إلى سفراء مؤثرين ومحبوبين
كشفت دراسة عام 2023، أن تقديم الطعام النباتي بطريقة “ذكورية” قد يقلل من مقاومة الرجال لتجربته لذلك، فإن اختيار سفراء مؤثرين ومحبوبين من الذكور يمكن أن يحدث فرقًا.
تضرب Hubbub مثالًا بشركة Quorn التي تعاونت مع نادي ليفربول في 2020 وريال مدريد في 2021.
وتُوصي بتبني “استراتيجية التخفي” لتقديم الطعام النباتي في أماكن يسيطر عليها الطابع الذكوري، مثل الصالات الرياضية والمباريات الرياضية، دون تأطيره كخيار بديل.
كما تقترح دمج الأطعمة النباتية في الوجبات المعتادة دون جعلها نقطة التسويق الأساسية، لجعلها جزءًا طبيعيًا من العادات الغذائية اليومية.
ويشير التقرير إلى ضرورة “فهم تأثير الأقران”، وتكييف الحملات لتغيير السلوك استنادًا إلى استراتيجيات ناجحة من مجالات مثل الصحة العامة والمساواة ومكافحة التطرف.
نحو خيار طبيعي
إن تعزيز وعي الرجال بتأثير اللحوم على المناخ مسؤولية جماعية. يمكن للمدارس والكليات وشركات الطعام أن تلعب دورًا رئيسيًا في هذا التغيير.
وإذا كان هذا التوجه الشبابي مؤشرًا على تراجعٍ قيمي، فإن على قطاع الأغذية والحكومات والمجتمع المدني التحرك بسرعة، علينا أن نحول الأكل النباتي من خيار أيديولوجي إلى خيار طبيعي وجذاب.
الجميع مسؤول: الشركات، وصانعو السياسات، والمنظمات غير الحكومية، فقط بالتعاون يمكننا جعل الخيارات النباتية جزءًا مرغوبًا فيه من نمط حياة صحي، لا مجرد بديل قسري.





