أكسجين الأرض ليس قصة الحياة وحدها.. دراسة تكشف احتمالًا جيولوجيًا جديدًا
سر أكسجين الأرض قد يبدأ من الأعماق.. دراسة تكشف دورًا غير متوقع للصهارة
تجارب تحت ضغط يصل إلى 7 جيجاباسكال أظهرت أن الصخور المنصهرة تستطيع الاحتفاظ بأكسجين إضافي يتجاوز 5% من وزنها.. والباحثون يطرحون آلية محتملة لربط نشاط الوشاح بأكسجة الغلاف الجوي قبل مليارات السنين
لم يكن الغلاف الجوي للأرض غنيًا بالأكسجين كما نعرفه اليوم منذ نشأة الكوكب. وعلى مدى مليارات السنين، تغيرت كيمياء الأرض ومحيطاتها وغلافها الجوي، حتى شهد الكوكب ارتفاعًا كبيرًا في الأكسجين قبل نحو 2.4 مليار سنة تقريبًا. والآن، تفتح دراسة جديدة احتمالًا لوجود دور أكبر مما كان يُعتقد للصهارة العميقة في هذه القصة.
فقد أظهرت تجارب مخبرية ومحاكاة حاسوبية أن الصخور المنصهرة تستطيع احتواء كميات من الأكسجين تتجاوز ما تسمح به النماذج التقليدية لتركيبها الكيميائي، وأن هذه القدرة تزداد مع ارتفاع الضغط. ويقترح الباحثون أن الصهارة الصاعدة من أعماق الأرض ربما أطلقت جزءًا من هذا الأكسجين خلال رحلتها نحو السطح، بما قد يسهم في أكسدة الوشاح العلوي والقشرة والغلاف الجوي.
الدراسة المنشورة في مجلة National Science Review لا تثبت أن الصهارة كانت المصدر الوحيد أو الرئيسي لأكسجين الغلاف الجوي، لكنها تقدم آلية جيولوجية محتملة يمكن أن تساعد على تفسير بعض التحولات الكيميائية الكبرى في تاريخ الأرض .
اكتشاف يتحدى افتراضًا قديمًا عن الأكسجين في الصهارة
يُعد الأكسجين من أكثر العناصر وفرة في باطن الأرض، إذ يدخل في تركيب معظم المعادن والصخور السيليكاتية. لكن التعامل التقليدي مع الأكسجين داخل الصهارة افترض أن كميته تتحدد أساسًا وفق نسب العناصر الأخرى وحالاتها الكيميائية، مثل السيليكون والمغنيسيوم والحديد.
وبموجب هذا التصور، لم يُعامل الأكسجين عادةً باعتباره مكوّنًا مستقلًا يمكن للصهارة أن تمتصه وتخزنه ثم تطلقه أثناء انتقالها بين أعماق مختلفة.
لكن الفريق البحثي وجد أن هذا الافتراض لا يصف السلوك الكامل للصهارة تحت ظروف الضغط والحرارة المرتفعة.
إذ يمكن للمصهور السيليكاتي أن يستوعب ما سمّاه الباحثون «الأكسجين الزائد»، أي الأكسجين الذي يتجاوز الكمية المحسوبة وفق الموازنة الكيميائية التقليدية للعناصر الموجودة في العينة.
وتكمن أهمية النتيجة في أنها توسع فهم العلماء لدور الصهارة؛ فلا تقتصر وظيفتها على نقل المواد المنصهرة من باطن الأرض إلى سطحها، بل قد تعمل أيضًا مخزنًا مؤقتًا للأكسجين ومصدرًا لنقله بين أعماق الكوكب وطبقاته الخارجية.
ماذا كشفت التجارب تحت ضغط يعادل أعماقًا كبيرة؟
اختبر الباحثون عينات اصطناعية من بازلت حيد وسط المحيط، وهو نوع من الصخور يرتبط بصعود مواد الوشاح وانصهارها عند مناطق تباعد الصفائح التكتونية.
وأُخضعت العينات لدرجات حرارة تراوحت بين 1200 و1800 درجة مئوية، وضغوط امتدت من الضغط الجوي إلى 7 جيجاباسكال، مع استخدام أكسيد البلاتين مصدرًا إضافيًا للأكسجين في التجارب الأساسية.
بعد ذلك، بُرّدت العينات بسرعة لتحويل المصهور إلى زجاج يمكن تحليل تركيبه وقياس محتواه من الأكسجين.
كانت النتيجة لافتة: عند الضغط الجوي، اقتربت كمية الأكسجين الزائد من الصفر، بينما وصلت إلى نحو 5.2% من وزن العينة عند ضغط 7 جيجاباسكال.
وفي التجارب الضابطة التي لم يُضف فيها مصدر الأكسجين الإضافي، بقيت القيم أقل بكثير، عند نحو 0.2 إلى 0.5% في الظروف المرتفعة الضغط والحرارة نفسها.
كما لم تكشف قياسات التحليل الطيفي عن بصمة تدل على أن الأكسجين الزائد كان مجرد فقاعات غاز محبوسة داخل الزجاج؛ بل دعمت النتائج اندماجه في البنية السيليكاتية للمصهور.
وتشير المحاكاة الجزيئية التي أجراها الفريق إلى أن ارتفاع الضغط يساعد على دخول الأكسجين إلى المصهور، مع تغير توزيع الشحنات الكهربائية والروابط على المستوى الذري، بما يسمح باستيعاب كمية إضافية منه.
ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن هذه النتائج جاءت من تجارب مضبوطة على عينات محددة، وبعضها استخدم مصدرًا إضافيًا للأكسجين. لذلك، لا يجوز افتراض أن كل أنواع الصهارة الطبيعية تحمل الكمية نفسها؛ فذلك يعتمد على تركيبها وظروف نشأتها وحالة الأكسدة في مصدرها العميق.
كيف يمكن أن يصل الأكسجين من الوشاح إلى الغلاف الجوي؟
يقترح الباحثون مسارًا يبدأ في مناطق من الوشاح تتميز بظروف كيميائية مؤكسدة نسبيًا. ففي هذه المناطق، قد تتشكل صهارة قادرة على احتواء أكسجين زائد تحت الضغط المرتفع.
وعندما تصعد الصهارة نحو السطح، ينخفض الضغط المحيط بها، فتتراجع قدرتها على الاحتفاظ بهذا الأكسجين.
ووفق الآلية المقترحة، قد يؤدي ذلك إلى إطلاق الأكسجين الجزيئي، بما يساهم في تغيير الحالة الكيميائية للمواد المحيطة بالصهارة، وربما يصل أثره في النهاية إلى الغلاف الجوي.
لكن المسار ليس بالضرورة انتقالًا مباشرًا أو كاملًا من أعماق الوشاح إلى الهواء. فقد يتفاعل الأكسجين المنطلق مع معادن ومواد أخرى في باطن الأرض وقشرتها قبل أن يصل أي جزء منه إلى الغلاف الجوي.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين ما أثبتته الدراسة وما تقترحه: التجارب تدعم قدرة المصهور على تخزين الأكسجين الزائد تحت الضغط، بينما يمثل الدور الذي قد يؤديه ذلك في أكسجة الغلاف الجوي القديم تفسيرًا جيولوجيًا محتملًا يحتاج إلى دمجه مع أدلة أخرى من الصخور والسجلات الكيميائية للأرض القديمة.
هل يفسر ذلك حدث الأكسدة العظيم؟
قبل نحو 2.4 مليار سنة تقريبًا، شهد الغلاف الجوي للأرض ارتفاعًا كبيرًا في تركيز الأكسجين، في حدث يُعرف باسم «حدث الأكسدة العظيم».
وقد غيّر هذا التحول مسار تطور الحياة والكيمياء السطحية للكوكب، رغم أن الأكسجين لم يصل فورًا إلى مستوياته الحالية.
ويقترح الباحثون أن بعض فترات النشاط البركاني واسع النطاق، التي شهدت إنتاج أحجام ضخمة من الصهارة، قد تزامنت مع مراحل مهمة من أكسجة الأرض. ومن ثم، يمكن أن يكون إطلاق الأكسجين الزائد من الصهارة أحد العوامل التي ساهمت في هذه التحولات.
وقدم الفريق حسابًا تقريبيًا يوضح حجم الإمكانات النظرية لهذه الآلية: فإذا أطلقت الصهارة المتكونة خلال فترة تقارب 2.5 إلى 2.0 مليار سنة نحو 0.27% من وزنها في صورة أكسجين زائد، فقد تعادل الكمية الناتجة إجمالي الأكسجين الموجود في الغلاف الجوي للأرض اليوم.
لكن هذا الحساب ليس إعادة بناء مؤكدة لتاريخ الغلاف الجوي، ولا يثبت أن هذه الكمية أُطلقت فعلًا أو وصلت بالكامل إلى الهواء. إنه تقدير أولي يوضح أن الأحجام الهائلة للصهارة الناتجة عن النشاط الناري واسع النطاق قد تجعل حتى النسب الصغيرة من الأكسجين ذات أهمية جيولوجية.
كما أن تفسير أكسجة الأرض يتطلب مراعاة عمليات أخرى، من بينها إنتاج الأكسجين عبر التمثيل الضوئي، والتفاعلات الكيميائية التي تستهلكه، وتغيرات حالة الأكسدة في الصخور والوشاح. ولا تلغي الدراسة هذه الأدوار أو تحسم الوزن النسبي لكل منها.
لماذا يتجاوز الاكتشاف تاريخ الأرض؟
لا تقتصر أهمية النتائج على فهم الغلاف الجوي القديم، بل تمتد إلى دراسة تطور الكواكب الصخرية الأخرى.
فقد مرت الأرض المبكرة بمراحل من الانصهار الشديد، كما يُعتقد أن كواكب صخرية أخرى شهدت محيطات من الصهارة خلال مراحل تكوينها.
وإذا كانت قدرة المصهور على تخزين الأكسجين وإطلاقه مع تغير الضغط ظاهرة واسعة الانتشار، فقد يساعد ذلك العلماء على فهم تطور التركيب الكيميائي للأغلفة الجوية على الكواكب.
وقد تصبح هذه الآلية أحد العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند دراسة تطور الأكسجين والغازات في أجواء الكواكب، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على قابلية أي كوكب للحياة؛ فوجود الأكسجين أو غلاف جوي معين لا يمثل دليلًا منفردًا على وجود حياة.
ما الذي نعرفه الآن، وما الذي لا يزال مجهولًا؟
تقدم الدراسة دليلًا تجريبيًا على أن الصهارة السيليكاتية تستطيع احتواء أكسجين زائد تحت ضغوط مرتفعة، وتدعم المحاكاة تفسيرًا ذريًا لهذه الظاهرة.
كما تقترح أن صعود الصهارة وانخفاض الضغط قد يسمحان بإطلاق جزء من الأكسجين المخزن.
لكن الأسئلة الأساسية ما زالت قائمة: ما حجم مخزونات الأكسجين الزائد في الوشاح الطبيعي؟ وكمية الأكسجين التي يمكن أن تتحرر فعليًا أثناء صعود الصهارة؟ وما النسبة التي تتفاعل مع الصخور قبل الوصول إلى السطح؟ وهل كانت هذه الآلية مؤثرة بما يكفي لتغيير ميزانية الأكسجين في الغلاف الجوي القديم؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان الدور المقترح للصهارة عاملًا مساعدًا محدودًا أم عنصرًا مهمًا في تفسير التحولات الكيميائية الكبرى التي مر بها الكوكب.
الخلاصة
قد يكون باطن الأرض أكثر قدرة على تخزين الأكسجين ونقله مما افترضته النماذج التقليدية. وإذا تأكدت أهمية هذه الآلية في الطبيعة، فستضيف بُعدًا جديدًا إلى فهم العلماء لكيفية تطور الأرض وغلافها الجوي، من دون أن تعني أن أصل أكسجين الهواء قد حُسم نهائيًا.





