لم تعد تداعيات ارتفاع أسعار الوقود المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط تقتصر على أسواق النفط والطاقة، بل بدأت تمتد إلى قطاع النقل الثقيل، مع اتجاه متزايد في عدد من الدول الآسيوية إلى استبدال شاحنات الديزل بالمركبات الكهربائية.
وتبدو الصين من أبرز المستفيدين من هذا التحول، بعدما سجلت صادراتها من الشاحنات الكهربائية الثقيلة قفزة كبيرة خلال الأشهر التالية لاندلاع الصراع، في وقت دفعت فيه زيادة أسعار الديزل الشركات إلى إعادة حساب تكلفة تشغيل أساطيل النقل والبحث عن بدائل أقل تعرضًا لتقلبات الوقود.
وبحسب بيانات نقلتها رويترز، تجاوزت صادرات الصين من الشاحنات الكهربائية الثقيلة 16.8 ألف شاحنة خلال أربعة أشهر، بأكثر من ضعف مستويات الفترة نفسها من العام السابق. واستحوذت دول جنوب وجنوب شرق آسيا على نحو نصف هذه الصادرات، مع ارتفاع الشحنات إلى جنوب آسيا بأكثر من خمسة أضعاف، وإلى جنوب شرق آسيا بنحو ثلاثة أمثال.
ارتفاع الديزل يغير حسابات شركات النقل
وتواجه دول آسيوية عديدة ضغوطًا متزايدة بسبب اعتمادها الكبير على واردات النفط من الشرق الأوسط، فيما أدى اضطراب حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع تكاليف الوقود.
وفي سريلانكا، ارتفعت أسعار الديزل بنحو 48% منذ بداية الصراع، بينما قفزت في الفلبين بنحو 57%، وفق البيانات التي أوردتها رويترز.
هذه الزيادات تجعل تكلفة تشغيل الشاحنات التقليدية أكثر ارتفاعًا، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على المسافات الطويلة والنقل المستمر، حيث يمثل الوقود أحد أكبر بنود التشغيل.
وفي المقابل، تمنح الشاحنات الكهربائية الشركات فرصة لتقليل النفقات التشغيلية، حتى مع ارتفاع سعر شرائها مقارنة بالشاحنات التي تعمل بالديزل.
الصين تحول أزمة الوقود إلى فرصة تصديرية
استفادت الشركات الصينية من توسع الطلب، مستفيدة في الوقت نفسه من خبرة السوق المحلية التي شهدت نموًا سريعًا في استخدام الشاحنات الكهربائية خلال السنوات الأخيرة.
فبعد أن كانت مبيعات هذه المركبات محدودة للغاية في عام 2021، أصبحت الشاحنات الكهربائية تمثل نحو 30% من مبيعات الشاحنات في الصين خلال العام الماضي، بينما تجاوزت مبيعاتها 140 ألف شاحنة خلال النصف الأول من عام 2026.
هذا التوسع المحلي وفر للشركات الصينية قاعدة صناعية واسعة وخبرة في البطاريات وأنظمة الشحن وتصميم المركبات الثقيلة، ما ساعدها على الانتقال سريعًا إلى الأسواق الخارجية.
وتعيد شركات صينية، من بينها شركة Sany، توجيه اهتمامها نحو جنوب شرق آسيا، مع تطوير نماذج أقل تكلفة وإضافة حلول للطاقة والشحن والتخزين لمساعدة العملاء على تجاوز واحدة من أكبر العقبات أمام انتشار الشاحنات الكهربائية، وهي ضعف البنية التحتية للشحن.
18 شهرًا لاسترداد تكلفة الشاحنة
لا يتعلق التحول إلى الشاحنات الكهربائية بالاعتبارات البيئية فقط، بل أصبح قرارًا اقتصاديًا بصورة متزايدة.
وبحسب مسؤول التسويق الدولي في Sany، فإن ارتفاع أسعار الوقود أدى إلى تقليص الفترة اللازمة لاسترداد الفارق بين تكلفة الشاحنة الكهربائية ونظيرتها التي تعمل بالديزل.
ففي السابق، كان مشتري الشاحنة الكهربائية في بعض الأسواق يحتاج إلى نحو 28 شهرًا لاسترداد استثماره من خلال وفورات الوقود، بينما انخفضت الفترة حاليًا إلى نحو 18 شهرًا.
وتعني هذه المعادلة أن ارتفاع أسعار الديزل يمكن أن يحول المركبات الكهربائية من خيار بيئي طويل الأجل إلى استثمار تجاري أكثر جاذبية في الأجل القصير.
انخفاض استهلاك النفط يلوح في الأفق
ولا تقتصر آثار التحول على شركات النقل ومصنعي المركبات، إذ يمكن أن يمتد تأثيره إلى سوق النفط العالمية.
ويقدر مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف أن أسطول الشاحنات الكهربائية في الصين سيؤدي خلال عام 2026 إلى توفير ما يعادل نحو 141 مليون برميل من الطلب على النفط، وهو ما يزيد على 3% من إجمالي استهلاك الصين، ويقارب حجم وارداتها السنوية من الكويت.
أما الشاحنات الكهربائية الصينية المصدرة خلال النصف الأول من العام، فتقدر مساهمتها في إحلال الوقود بمعدل سنوي يعادل نحو 1.6 مليون برميل من النفط.
ومع اتساع انتشار المركبات الكهربائية الثقيلة خارج الصين، يمكن أن يصبح هذا التأثير أكثر وضوحًا، خصوصًا في الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات الوقود.
الشاحنات الكهربائية.. من حل مناخي إلى أداة لأمن الطاقة
تكتسب هذه التطورات أهمية أكبر لأنها تربط بين ملفين كانا يُنظر إليهما غالبًا بصورة منفصلة: التحول المناخي وأمن الطاقة.
فكل شاحنة كهربائية تحل محل شاحنة تعمل بالديزل تقلل استهلاك الوقود الأحفوري، وتحد من انبعاثات قطاع النقل، وفي الوقت نفسه تقلل تعرض الشركات والدول لتقلبات أسعار النفط واضطرابات الإمدادات العالمية.
وهذا الجانب يصبح أكثر أهمية في الدول التي تعتمد على استيراد النفط أو الديزل، إذ يمكن للكهرباء المنتجة محليًا من مصادر متنوعة أن توفر قدرًا أكبر من الاستقلال في تشغيل أساطيل النقل، لكن ذلك لا يعني أن التحول سيكون سريعًا أو خاليًا من العقبات.
ارتفاع سعر الشراء والبنية التحتية أكبر التحديات
لا تزال تكلفة شراء الشاحنات الكهربائية أعلى من نظيراتها التقليدية، كما أن انتشارها يعتمد على توافر شبكة واسعة من محطات الشحن المناسبة للمركبات الثقيلة.
وفي أستراليا، على سبيل المثال، يمكن أن يصل سعر الشاحنة الكهربائية إلى نحو 500 ألف دولار أسترالي، أي ما يقرب من ضعف سعر الشاحنة التي تعمل بالديزل.
لكن ارتفاع سعر الشراء يمكن تعويضه تدريجيًا من خلال انخفاض تكاليف الوقود والتشغيل، وهي ميزة تزداد قيمتها كلما ارتفعت أسعار الديزل.
ولهذا بدأت بعض الشركات في تقديم حلول متكاملة تشمل توليد الكهرباء وتخزينها وشحن الشاحنات، بدلًا من الاكتفاء ببيع المركبة نفسها.
آسيا تتحول إلى ساحة المنافسة الجديدة
وتشير التطورات الحالية إلى أن جنوب وجنوب شرق آسيا قد يصبحان من أهم الأسواق العالمية للشاحنات الكهربائية الصينية.
فالمنطقة تضم أساطيل نقل ضخمة، وتتمتع بنمو سريع في النشاط الصناعي والتجاري، لكنها في الوقت نفسه شديدة الحساسية لتقلبات أسعار الطاقة بسبب اعتمادها على واردات النفط.
كما أن انتشار السيارات الكهربائية الصينية في هذه الأسواق يمكن أن يساعد على توسيع شبكات الشحن، ما يخلق بنية تحتية يمكن أن تستفيد منها الشاحنات الثقيلة أيضًا.
ولا تستبعد الشركات الصينية استمرار النمو القوي في الأسواق الخارجية خلال العام المقبل، مع التركيز على آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
هل تتحول أزمة النفط إلى نقطة تحول للنقل؟
تكشف طفرة الشاحنات الكهربائية الصينية أن أزمات الطاقة يمكن أن تسرّع التحولات التكنولوجية التي كانت تتقدم بصورة أبطأ في الظروف العادية.
فكلما ارتفعت تكلفة الديزل، أصبحت كفاءة المركبات الكهربائية أكثر جاذبية اقتصاديًا، وكلما توسعت مبيعاتها، انخفضت تكلفة التكنولوجيا وتحسنت البنية التحتية للشحن.
وبذلك قد تتحول أزمة الوقود الحالية من مجرد ضغط على شركات النقل إلى عامل يسرّع انتقال قطاع الشاحنات الثقيلة من الديزل إلى الكهرباء.
واللافت أن المستفيد الأكبر من هذه المعادلة حتى الآن يبدو الصناعة الصينية، التي وجدت في ارتفاع أسعار الوقود واضطراب إمدادات الطاقة فرصة لتوسيع حضورها في سوق النقل الكهربائي العالمي، بينما تواجه شركات النقل في الأسواق المستوردة خيارًا جديدًا: دفع المزيد مقابل الوقود، أو الاستثمار في مركبات قد تقلل اعتمادها عليه لسنوات مقبلة.
