أستاذ علوم الأرض بجامعة خليفة: اكتشفنا أقدم مياه عذبة سقطت علي سطح الكرة الأرضية
د. حامد جمال الدين: التغيرات المناخية بدأت منذ 3.5 مليار سنة بوجود الكربون
حوار محمد عبد السلام
“التغيرات المناخية بدأت قبل 3.5 مليار سنة مع بدء وجود الكربون”.. حسبما كشف العالم المصري الدكتور حامد جمال الدين أستاذ علوم الأرض بجامعة خليفة بالإمارات العربية المتحدة، والذي أكد علي أن التغيرات المناخية تعتمد اعتمادًا كليًا علي التغير في حالة الهيدروجين والميثان، والتي بدأت مع بداية تكون الكرة الأرضية نفسها، مبينًا أنه وفريقه البحثي تمكنوا من اكتشاف وجود الكربون بنسب قليلة جدا منذ 3.5 مليار سنة، وأن هناك تزايد ملحوظ في نسبة الكربون في كوكب الأرض حتي وصلت اليوم إلي نسب كبيرة جدا.
وأوضح الدكتور حامد جمال الدين في حواره، أن دراسته البحثية التي جاءت تحت عنوان “البلورات القديمة تساهم في اكتشاف أقدم مياه عذبة علي سطح الارض منذ ٤ مليار سنه”، استغرقت أكثر من 24 شهر لتحليل أكثر من 14 ألف عينة من الصخور، مشيرا في الوقت نفسه ان البحث قام بتفيذه 11 باحث وباحثة ينتمون لمعهد أبحاث علوم الأرض “TIGeR”، وكلية علوم الأرض والكواكب، بجامعة كيرتن، في استراليا، بالإضافة إلي علماء مختبر تطور الغلاف الصخري، بمعهد الجيولوجيا والجيوفيزياء، بالأكاديمية الصينية للعلوم.
وإلي نص الحوار
ما هي أهمية الاكتشاف من الناحية العلمية في مجالات دراسة كوكب الأرض المختلفة؟
الاكتشاف عبارة عن نقطتين في غاية الأهمية، الأولي اكتشاف أول دليل علي وجود مياة عذبة علي كوكب الأرض عمرها أكثر من 4 مليار سنة، والثانية اكتشاف أول يابسة أرضية فوق سطح البحر، وقد كان من المتعارف علية لدي أغلب علماء الطبيعة أن الحياة كانت قد بدأت علي الأرض منذ 3.5 مليار سنة، وليس قبل ذلك، وهذه الحياة كانت عبارة عن كائنات وحيدة الخلية، ونشأت في مياة عذبة ويابسة فوق سطح البحر، كل هذا المعلومات كانت لدي العلماء والباحثين بشكل نظري، ولا يوجد اي أدلة علمية مؤكدة علي ذلك، حتي توصلنا إلي هذا الاكتشاف، ومن هنا تأكدنا أن الأرض كانت صالحة ومهيئة للحياة قبل 4 مليار سنة من الآن.
معني ذلك أنه لم يكن هناك علي الكوكب أي مظهر من مظاهر الحياة المؤكدة؟
بالطبع لم يكن هناك اي مظاهر للحياة، ولم يكن هناك اي ظروف مهيئة لوجود هذه الحياة، هذه الظروف ممثلة في المياه العذبة واليابسة فوق سطح البحر، لأن كوكب الأرض كان عبارة عن محيط ملحي ضخم، ولم يكن هناك أي يابسة فوق سطح البحر يمكن أن تستقبل مياة الأمطار العذبة.
وما هي الاستفادة من ذلك في دراسة كوكب الأرض؟
بالطبع سيكون هناك فائدة عظيمة من حيث دراسة كوكب الارض، بل ودراسة الكواكب الأخري أيضًا، لاننا سنستطيع ان نقول بمنتهي الثقة انه اصبح لدينا اكتشاف لأول دليل علي وجود مياة عزبة، ويابسة، ولا تنسي أنه هناك الكثير من الأبحاث المنشورة عن كوكب المريخ تقول أنه يحتوي علي أثار لوجود مياة عذبة في بداية تكوينه ككوكب ضمن المجموعة الشمسية، ما يعني إنه في حالة وجود رابط بين المريخ الأرض، وأن كلا الكوكبين كانا بهما مياة عذبة في بداية تكوينهما، فهذا يعني احتمالية وجود مياة علي كوكب المريخ، وهنا سيمكن تطبيق هذه الدراسة علي كوكب المريخ أو اي كوكب اخر يُحتمل فيه حياة لكائنات وحيدة الخلية علي أرضها.

فهل معني ذلك أن كوكب الأرض كان به نوع من الحياة المعروفة؟
بما ان نتائج البحث أثبت وجود مياة عذبة وبداية تكوين الصخور فوق سطح المحيطات منذ أكثر من 4 مليار سنة، وبالتالي توفر عنصرين أساسين لبداية الحياة أو بداية نشأة الحياة، فالحياة تتطلب مياة عذبة ويابسة تتجمع داخلها، وبحثنا أثبت أن الأرض كانت مهيئة لظهور الحياة، وتحديدًا الكائنات وحيدة الخلية، ولكننا في ونفس الوقت لم نتوصل الي اي اكتشافات خاصة بوجود هذه الحياة، فالدراسة البحثية مرتبطة باكتشاف اسباب الحياة أو الظروف المهيئة لأسباب الحياة، وليست الحياة نفسها، وإثبات وجود الحياة يحتاج لأبحاث علمية لعلماء الباليانتولوجي والاستروبايولوجي لدراسة الصخور الرسوبيه، والفترة القادمة سيمكن للباحثين دراسة ذلك عن طريق البحث عن كائنات وحيدة الخلية والخواص الكيميائية التي تهيأ وجود الحياة.
وما هي طبيعة العمل التي اعتمدتم عليها في دراستكم البحثية والآلية لتحديد عمر أقدم مياه علي الأرض؟
الدراسة البحثية اعتمدت في فحص العمر ونظائر الأكسجين في بلورات صغيرة من معدن الزركون، والذي يعد من المعادن المهمة في دراسة الحياة الأولية أو دراسة بداية تكوين الأرض، وقد وجد بالفعل بصمات نظائرية خفيفة بشكل غير عادي يعود تاريخها إلى 4 مليارات سنة مضت، وطيلة فترة العمل قمنا بقياس الطيف الكتلي للأيونات الثانوية لتحليل حبيبات الزركون الصغيرة، واستنتاج نظائر الأكسجين التي كانت موجودة في الصهارة “الصخور المفتتة” التي تشكلت منها البلورات، واكتشفنا أن أحجار الزركون في “جاك هيلز” بأستراليا تحتوي على تركيبات خفيفة من الناحية النظائرية لا يمكن تحقيقها إلا إذا تشكلت وتعرضت للمياه العذبة، من النوع الذي سقط مؤخرًا من السماء، وهو ما يعني أن هذه البلورات المحبوسة دليلا على هطول الأمطار الأولى على الأرض، وتغلغلت في المياه الضحلة لقشرتها المتصلبة حديثا، وهو ما يؤكد أن نظائر الأكسجين الخفيفة تكونت نتيجة للمياه العذبة الساخنة التي تُغير الصخور على بعد عدة كيلومترات تحت سطح الأرض.
ولماذا تم اختيار معدن الزركون تحديدًا؟
لان الزركون من المعادن ذات الصلابة القوية جدًا ولا يتغير مع مرور الزمن، كما إنه يحتوي علي عناصر اليورانيوم والمكونات التي نستخدمها كنظائر في تحديد عمر الصخور، والأهم أنه يحتوي علي الاوكسجين، وهي النقطة الاساسية لأن الأوكسجين هو العنصر الرئيسي في تكوين المياه، وهي H2O، وباستخدام جهاز Secondary-ion mass spectrometry أو ما يُطلق علية “SIMS”، وهو جهاز متطور، نقوم من خلاله بتحليل حبيبات الزركون الصغيرة جدا، واستنتاج نظائر الأكسجين التي كانت موجودة في الصهارة، أو “الصخور المفتتة” التي تشكلت منها البلورات، وذلك من خلال إرسال أيونات دقيقة بحجم مايكروميتر، لتصطدم بالزركون ثم تعود بمعلومات وايونات أخري، ثم يتم من خلالها حساب نظائر الاكسجين الموجودة الزركون، وبما أن الاكسجين نوعين من المصادر، الاكسجين 16 وهو الاكسجين الخفيف الموجود بكمية كبيرة في المياه العذبة، بالإضافة إلي الاكسجين 18 وهو الأكسجين الثقيل الموجود في المياه المالحة في المحيطات، وعندما بدأنا في قياس حساب نظائر الاكسجين الموجودة الزركون، وجدنا أنها تحتوي علي كمية كبيرة من اوكسجين 16 تعود إلي 4 مليار سنة، ما يعني أنها تحتوي علي مياة عذبة.
السؤال هنا، من أين أتت المياه العذبة منذ 4 مليارات سنة؟
عن طريق الأمطار بالطبع، فالأمطار لم تتوقف في اي لحظة، ولكنها كانت في حاجة إلي يابسة لتتجمع وتكون بحيرة، ثم بدأ في التفاعل مع تلك اليابسة وصخورها، وليبدأ في تكون زيركون جديد حامل لأوكسجين 16، خاصة وإن مياه الأمطار أخف من الناحية النظائرية من مياه البحر، التي تحتوي في حد ذاتها على أكسجين أخف من الصخور النقية الموجودة في وشاح الأرض، وهو ما توصلنا اليه بعد تحليل حوالي 1400 زركون يتراوح عمرها بين 1.85 مليار و4.28 مليار سنة.

هل تعتقد أن ما توصلتم الية يمكن ان يشرح لنا طبيعة التغيرات المناخية ومدي تأثيرها طيلة عمر الأرض؟
بالتأكيد، فالتغيرات المناخية تعتمد اعتمادًا كليًا علي التغير في الهيدروجين والميثان كانت موجودة مع بداية تكوين الكرة الأرضية، ولكننا اكتشفنا وجود الكربون بنسب قليلة ولكن بعد 3.5 مليار سنة، ثم نسبة الكربون في كوكب الأرض تزداد حتي وصلت اليوم إلي نسب كبيرة جدا.
هل هناك مرحلة عمل اخري للفريق لمعرفة المزيد؟
بالتاكيد لن نتوقف عند هذه النقطة، فالمرحلة الأولي من المشروع كانت للبحث عن الظروف المهيئة لوجود الحياة ممثلة في مياة عذبة ويابسه، والمرحلة الثانية سيتم تخصيصها للبحث عن كائنات وحيدة الخلية والخواص الكيميائية التي تهيأ وجود الحياة، مثل الكاربون والمنجنيز والفسفور والهيدروجين، لذا سيقوم الفريق البحثي بزيارة المناطق التي تحتوي علي صخور رسوبية تحتوي علي الحفريات والكائنات القديمة، مثل منطقة جرينلاند في القارة الشمالية التي تضم صخور عمرها 3.8 مليار سنة، ومنطقة أكاستا في شمال كندا، والتي تحتوي علي صخور عمرها 4 مليار سنة، وستعتمد تلك المرحلة علي البحث عن الخواص الكيميائية والجيوكيميائية لتلك العناصر، ومحاولة الإجابة علي السؤال الأهم، هل تلك العناصر كانت موجودة بالفعل بوفرة، وبدرجة تجعلها قادرة علي اتاحة الفرصة لتكوين ” Amino acid” و”RNA” والتي تُعد الاساس لتكوين الكائنات وحيدة الخلية.

وما هي الفترة الزمنية التي استغرقها الفريق العلمي؟
بدأت المشروع بعد القراءة والاهتمام بعمر الأرض وتكوينها خلال السنوات الأخيرة أثناء تواجدي في أستراليا، وبدأت عندما كنت أقوم بزيارة الجبل في شهر سبتمبر 2021، وأثار إهتمامي كمتخصص في علم الصخور، وقد استغرق العمل في البحث حوالي عامين منذ شهر أكتوبر لعام 2021 حتى شهر يناير عام 2023، بمساعدة فريق عمل من أستراليا والصين، وفي ابريل 2023 أرسلنا البحث لمجلة نيتشر ليتم تحكيمه طيلة أكثر من سنة كاملة بين العلماء المتخصصين، ليتم نشره في مطلع يونيو 2024.
وماذا عن المعوقات التي وجدها في رحلة الدراسة؟ خاصة وان دراسة الأرض في تلك المرحلة المبكرة صعبة للغاية؟
كان هناك معوقات كثيرة بالطبع، أهمها اننا قمنا بعمل تحاليل ضخمة جدا لحوالي 1400 زركون يتراوح عمرها بين 1.85 مليار و4.28 مليار سنة، وهي تعادل ثلاثة أضعاف التحاليل التي تم تنفيذها في 30 سنة للاكسجين 16، لأنها باهظة الثمن بشكل كبير، وهذه التحاليل استغرقت وقت طويل جدا، بالإضافة إلي الزيارات المتعددة للجبال والمرتفعات النائية وشديدة الحرارة في استراليا.





