أغنى 10% في العالم يتسببون في أضرار بيئية تصل إلى 5.7 تريليون دولار سنويًا

الأثرياء أمام فاتورة البيئة.. ما يصل إلى 5.7 تريليون دولار أضرار سنوية

كشفت دراسة علمية حديثة نشرها الباحثون إنجي شرايفر، وروتجر هوكسترا، وبول بهرنس في دورية Communications Sustainability، أن أغنى 10% من المستهلكين في العالم يتحملون مسؤولية غير متناسبة عن تجاوز الحدود البيئية للكوكب، ويتسبب نمط استهلاكهم وأنشطتهم الاقتصادية في أضرار بيئية تقدر قيمتها بما يتراوح بين 1.7 و5.7 تريليون دولار سنويًا، بما يعادل نحو 2300 إلى 7500 دولار لكل فرد من أفراد هذه الفئة سنويًا، وفق أسعار عام 2017.

وتسلط الدراسة الضوء على واحدة من أكثر مفارقات أزمة المناخ والبيئة إثارة للجدل: الفئات الأعلى استهلاكًا هي الأكثر مساهمة في جانب كبير من الأضرار البيئية، بينما تتحمل المجتمعات والدول والقطاع العام جزءًا كبيرًا من تكاليف مواجهتها.

الدراسة، التي نشرها الباحثون إنجي شرايفر، وروتجر هوكسترا، وبول بهرنس في دورية Communications Sustainability، سعت إلى تحويل الآثار البيئية المرتبطة باستهلاك أغنى 10% من سكان العالم إلى قيمة مالية، بهدف إظهار الحجم الاقتصادي للأضرار التي يسببها هذا النمط من الاستهلاك، وربطها بقضايا التمويل المناخي وحماية التنوع الحيوي.

تريليونات الدولارات فاتورة سنوية

اعتمد الباحثون في حساباتهم على أحدث بيانات متكاملة متاحة بشأن البصمات البيئية لأغنى 10% من المستهلكين، والتي تعود إلى عام 2017، وقاموا بتقدير التكلفة الاقتصادية المرتبطة بأربعة مجالات رئيسية من الضغوط على الحدود الكوكبية، هي: تغير المناخ، وسلامة الغلاف الحيوي والتنوع الحيوي، والدورات البيوجيوكيميائية للنيتروجين والفوسفور، واستخدام المياه العذبة.

وخلصت الدراسة إلى أن الأضرار البيئية السنوية المنسوبة إلى أغنى 10% عالميًا تتراوح بين 1.7 تريليون دولار في الحد الأدنى و5.7 تريليون دولار في الحد الأعلى.

وعند توزيع هذه التكلفة على أفراد هذه الشريحة، تتراوح قيمة الضرر بين 2300 و7500 دولار للفرد سنويًا بأسعار عام 2017. وتشير الدراسة إلى أن هذه القيمة تتجاوز فجوات التمويل الدولية المخصصة لمواجهة تغير المناخ وحماية التنوع الحيوي.

التنوع الحيوي يتصدر فاتورة الضرر

المفاجأة الأبرز في النتائج أن فقدان التنوع الحيوي يمثل أكبر مكون في فاتورة الأضرار البيئية، وليس تغير المناخ وحده.

وقدرت الدراسة مساهمة فقدان التنوع الحيوي بنحو 47% إلى 56% من إجمالي فاتورة الأضرار، بينما تراوحت مساهمة تغير المناخ بين 36% و45%.

أما الأضرار المرتبطة بدورات النيتروجين فتراوحت بين 6% و8%، في حين كانت مساهمة المياه العذبة والفوسفور أقل من 2% لكل منهما.

وتعني هذه النتائج أن جزءًا كبيرًا من الكلفة البيئية الناجمة عن الاستهلاك المرتفع لا يظهر فقط في صورة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وإنما يمتد إلى تدهور النظم البيئية وفقدان الأنواع والموائل الطبيعية والضغط على الموارد المائية واختلال دورات المغذيات في البيئة.

الولايات المتحدة صاحبة أعلى فاتورة

وأظهرت الدراسة تفاوتًا كبيرًا في حجم الأضرار البيئية التي يتحملها أغنى 10% من المستهلكين بين الدول.

وسجل أغنى 10% من المستهلكين في الولايات المتحدة أعلى فاتورة بين الدول الست التي شملها التحليل، إذ تراوحت الأضرار السنوية للفرد داخل هذه الفئة بين نحو 19 ألفًا و63 ألف دولار.

وبحسب الدراسة، يعادل ذلك ما بين 6% و20% من دخل الفرد في هذه الشريحة، أو ما بين 0.8% و3% من ثروته.

وشملت المقارنة ست دول هي الولايات المتحدة والصين والهند وألمانيا والبرازيل ومصر، إلى جانب الحسابات الخاصة بالمجموعة العالمية لأغنى 10%.

وتكشف هذه المقارنة أن المسؤولية البيئية لا تتوزع بالتساوي، حتى داخل الفئة نفسها؛ إذ تختلف قيمة الضرر باختلاف مستويات الدخل والاستهلاك والأنماط الاقتصادية بين الدول.

الأغنياء لا يستهلكون فقط.. بل يملكون أيضًا أدوات التأثير

لا تتوقف أهمية الدراسة عند حساب فاتورة الأضرار البيئية، إذ تطرح أيضًا سؤالًا أكثر حساسية: من يجب أن يدفع تكلفة معالجة هذه الأضرار؟

وقالت أستاذة العلوم البيئية بجامعة أكسفورد، ليزا شيبر، إن عددًا محدودًا من الأشخاص يساهم في الجزء الأكبر من الضرر البيئي، بينما يمتلك هؤلاء في الوقت نفسه نفوذًا كبيرًا على مصادر التمويل التي يمكن استخدامها للتعويض عن خسائر المناخ والتنوع الحيوي.

وتعكس هذه الملاحظة جوهر ما يعرف بمبدأ «الملوِّث يدفع»، والذي يقوم على تحميل الجهة التي تتسبب في الضرر تكلفة الحد منه أو إصلاح آثاره، بدلًا من نقل العبء بالكامل إلى الحكومات ودافعي الضرائب.

وتشير الدراسة إلى أن تقدير الأضرار ماليًا لا يعني أن الطبيعة يمكن اختزالها في قيمة نقدية، وإنما يهدف إلى إعطاء صورة ملموسة عن حجم التأثير وربطه بالقرارات الاقتصادية والمالية والسياسات العامة.

ضرائب بيئية على الأكثر ثراءً

واقترح مؤلفو الدراسة استخدام الضرائب البيئية كإحدى الأدوات الممكنة لجعل أغنى 10% يتحملون تكلفة أكبر تتناسب مع حجم بصمتهم البيئية، بما يتماشى مع مبدأ «الملوث يدفع».

ويمكن، من الناحية النظرية، أن توفر مثل هذه الضرائب مصدرًا جديدًا لتمويل جهود مواجهة تغير المناخ وحماية التنوع الحيوي، بدلًا من الاعتماد بصورة أكبر على الموازنات العامة والتمويل الحكومي.

لكن ليزا شيبر ترى أن المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد فرض ضريبة على الأكثر ثراءً.

وأوضحت أن بعض الأنشطة الاقتصادية التي تدعمها هذه الفئة توفر وظائف وغذاء وخدمات لعدد كبير من أفراد المجتمع، ما يعني أن استهدافها بشكل مباشر قد تكون له آثار اقتصادية واجتماعية أوسع.

وبالتالي، فإن المشكلة لا تكمن فقط في تحديد من تسبب في الضرر، وإنما في تصميم سياسات قادرة على تقليل الضرر البيئي دون الإضرار بالمنافع الاقتصادية والاجتماعية التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من السكان.

فاتورة الأثرياء أكبر من مجرد انبعاثات

وتبرز الدراسة كذلك أن البصمة البيئية لأغنى 10% لا ترتبط بالاستهلاك الشخصي المباشر فقط، وإنما تتصل بمجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية وسلاسل الإنتاج والخدمات التي تدعمها مستويات الدخل والاستهلاك المرتفعة.

ويشير الباحثون إلى أن أغنى 10% من المستهلكين عالميًا مسؤولون بصورة غير متناسبة عن تجاوز الحدود الكوكبية، وأن هذه الضغوط البيئية ترتبط بأضرار مثل الجفاف والإجهاد الحراري وتدهور النظم البيئية والتلوث الغذائي بالمغذيات وفقدان التنوع الحيوي، بما ينعكس في النهاية على البشر والحيوانات والاقتصادات.

وتشير تقديرات بحثية سابقة استندت إليها الدراسة إلى أن أعلى 10% من المستهلكين يتحملون ما بين 31% و67% من المسؤولية عن تجاوز الحدود الكوكبية المختلفة، بحسب الحد البيئي محل القياس.

أكثر من 60% من أغنى 10% يعيشون في أمريكا والاتحاد الأوروبي

وتكشف البيانات أيضًا عن تركّز جغرافي لافت داخل شريحة الأغنى عالميًا.

فأكثر من 60% من أفراد أغنى 10% عالميًا يعيشون في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بينما تمثل الهند نحو 2% فقط من هذه الفئة العالمية، وهو ما يعكس الفوارق الكبيرة في توزيع الدخل والثروة وأنماط الاستهلاك على مستوى العالم.

وهذه الفجوة تجعل قضية العدالة البيئية والمناخية أكثر تعقيدًا، إذ لا تتحمل جميع المجتمعات المسؤولية نفسها عن الضغوط التي يتعرض لها الكوكب، في الوقت الذي لا تتوزع فيه آثار التغير المناخي وفقدان التنوع الحيوي والموارد الطبيعية بالتساوي.

من يدفع فاتورة البيئة؟

وتضع الدراسة قضية «من يدفع؟» في قلب النقاش العالمي حول تمويل العمل المناخي وحماية الطبيعة.

فإذا كانت الفئات الأعلى استهلاكًا مسؤولة عن نسبة كبيرة من الأضرار البيئية، فإن تحميل دافعي الضرائب وحدهم تكلفة معالجة هذه الأضرار يثير تساؤلات حول العدالة الاقتصادية والبيئية.

وترى شيبر أن تحميل المسؤولين الأكبر عن الضرر جزءًا أكبر من التكلفة يمكن أن يقلل الضغط على القطاع العام، خصوصًا في ظل اتساع الاحتياجات التمويلية المرتبطة بالمناخ والتنوع الحيوي.

لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن تطبيق هذه السياسات سيكون صعبًا عمليًا، لأن الفئات الأعلى ثراءً لا تمتلك موارد مالية كبيرة فحسب، بل تتمتع أيضًا بنفوذ اقتصادي وسياسي واسع.

ومن ثم، فإن الانتقال من تشخيص المشكلة إلى تطبيق مبدأ «الملوث يدفع» يحتاج إلى سياسات دقيقة توازن بين المسؤولية البيئية والعدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

العدالة المناخية في مواجهة عدم المساواة

وتضيف الدراسة بُعدًا جديدًا إلى النقاش حول العدالة المناخية، إذ لا يتعلق الأمر فقط بحجم انبعاثات دولة أو قطاع اقتصادي، وإنما أيضًا بمن يستهلك أكثر، ومن يحقق أكبر استفادة اقتصادية من الأنشطة التي تضغط على موارد الكوكب، ومن يتحمل في النهاية تكلفة الأضرار الناتجة عنها.

وبحسب الباحثين، فإن تحويل الأضرار البيئية إلى قيمة مالية يمكن أن يساعد صناع القرار على رؤية حجم المشكلة بصورة أكثر وضوحًا، كما يوفر أساسًا لمناقشة أدوات مثل الضرائب البيئية والسياسات التي تستهدف الأنشطة الأعلى تأثيرًا.

ومع ذلك، فإن الدراسة لا تقدم الضرائب البيئية باعتبارها حلًا وحيدًا، بل تضعها ضمن مجموعة أوسع من السياسات التي تستهدف تقليل الضغوط على الحدود الكوكبية وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع تكلفة الانتقال إلى اقتصاد أكثر استدامة.

اعتراف بالمسؤولية قبل أن تصبح الفاتورة أكبر

وفي النهاية، تحذر النتائج من أن معالجة أزمة البيئة والمناخ لا يمكن أن تعتمد فقط على إنفاق الأموال العامة لتعويض الخسائر، بينما تظل مصادر الضرر الأساسية مستمرة.

وتقول شيبر إن الاعتراف بالمسؤولية البيئية يمثل شرطًا أساسيًا لأي مقاربة مستدامة، خصوصًا عندما تكون الفئات الأكثر قدرة على الاستهلاك والاستثمار والتأثير هي نفسها التي ترتبط بجزء كبير من الضغوط البيئية.

وبينما تتراوح تقديرات الدراسة لفاتورة الأضرار التي يتحملها أغنى 10% بين 1.7 و5.7 تريليون دولار سنويًا، فإن الرسالة الأوسع التي تطرحها تتجاوز الرقم نفسه: الأزمة البيئية ليست مجرد مشكلة نقص في التمويل، وإنما أيضًا مشكلة تتعلق بمن يسبب الضرر، ومن يملك القدرة على دفع تكلفته، ومن يتحملها بالفعل.

Exit mobile version