أعلاف الماشية الملوثة بجزئيات البلاستيك الصغيرة قد تنقل الجسيمات إلى اللحوم والألبان

تحذيرات جديدة: جزيئات البلاستيك الدقيقة في الأعلاف تُهدد سلامة الغذاء الحيواني

تبيّن الدراسات الحديثة أن الميكروبلاستيك أصبح يصل إلى مختلف مكوّنات الزراعة الحديثة، حيث يختلط بالتربة والمياه والمادة النباتية قبل أن يجد طريقه إلى أعلاف الماشية دون أن يلاحظ ذلك معظم العاملين في المجال.
وتبتلع الأبقار هذه الجسيمات عند تناول التبن أو الشعير أو السيلاج.
وعند دخول هذه الجسيمات إلى الكرش، تواجه واحدًا من أكثر الأنظمة الميكروبية تعقيدًا في الطبيعة.
وتكشف دراسة دولية جديدة مدى التفاعل القوي بين هذا النظام الميكروبي وجزيئات البلاستيك.

كيف يدخل الميكروبلاستيك إلى أعلاف الماشية؟

فحص العلماء تأثير الأنواع الشائعة من البلاستيك الزراعي داخل سائل الكرش، بما في ذلك PLA وPHB وHDPE وPVC وPP.
وتصل هذه الجسيمات إلى الحقول عبر أغلفة السيلاج، والحمأة، وبقايا التعبئة، وتآكل الإطارات.
وتقع ضمن نطاق حجمي يسمح بانتقالها عبر التربة ووصولها إلى النباتات أو الأعلاف.
وقال دانيال بروجر، الباحث في جامعة زيورخ: “يمثل عملنا خطوة أولى نحو فهم التأثيرات البيولوجية للتعرض للميكروبلاستيك في الحيوانات الزراعية”، مشيرًا إلى الحاجة الملحّة لدراسات داخلية مع تزايد استخدام البلاستيك عالميًا.
ونُشرت الدراسة في دورية Journal of Hazardous Materials.
وأظهرت أبحاث سابقة أن الميكروبلاستيك يدخل التربة على نطاق واسع وينتقل إلى مواد العلف.
ويمكن للأبقار ابتلاع تربة تحوي بقايا بلاستيكية، كما أن مراحل مناولة العلف تسهم أيضًا في إدخال جزيئات إضافية.
ويجعل هذا الأمر المجترات نماذج ممتازة لتتبع حركة البلاستيك داخل الأنظمة الزراعية، إذ يكسر ميكروبيوم الكرش نحو ثلثي المادة الغذائية التي تستهلكها الماشية، ما يجعل الكرش الموقع الأول الذي يلتقي فيه البلاستيك بالكائنات الدقيقة الحية.

أعلاف الماشية الملوثة بجزئيات البلاستيك الصغيرة

الميكروبلاستيك وميكروبيوم الكرش

استخدم الفريق نظام تخمير مُحكم لاحتضان سائل الكرش مع التبن أو الشعير وإضافة الميكروبلاستيك بأحجام وتركيزات مختلفة.
وتم قياس إنتاج الغازات، ودرجة الحموضة، وفقد المادة الجافة، والأحماض الدهنية المتطايرة، والتغيرات في البروتينات الميكروبية.
وكشفت النتائج انخفاضًا في إنتاج الغازات بغض النظر عن نوع البلاستيك أو حجمه أو كميته، بينما ظل مستوى الحموضة ثابتًا، ما يشير إلى أن التغيرات ناجمة عن اضطراب في عمليات الأيض وليس بسبب تغيّر الحموضة.
وزاد تحلل المادة الجافة، مما يلمّح إلى أن ميكروبات الكرش لم تهضم العلف فقط، بل أثرت أيضًا في جزيئات البلاستيك، وربما أدت إلى فقدانها للكتلة أو تجزئتها إلى قطع أصغر.
ويرجّح العلماء أن الاحتكاك الميكانيكي بين العلف والبلاستيك، إضافة إلى الإنزيمات الميكروبية، قد يسهم في بدء تفكك هذه الجسيمات.
وظهرت هذه التأثيرات بشكل أوضح مع أنواع مثل PLA وPHB.

أعلاف الماشية الملوثة بجزئيات البلاستيك الصغيرة

تفاعل الميكروبات مع الميكروبلاستيك

أظهرت تجارب الشعير تفاعلًا ميكروبيًا أقوى، إذ أدى وجود الميكروبلاستيك إلى انخفاض البروتينات المرتبطة باستقلاب الكربوهيدرات والأحماض الأمينية، بينما ارتفع مستوى البروتينات المرتبطة باستجابات الإجهاد والإصلاح الخلوي، ما يشير إلى حالة من الإجهاد داخل ميكروبيوم الكرش.
كما تراجعت أعداد بكتيريا Bacteroidetes وارتفعت Firmicutes وبعض Proteobacteria، وهي أنماط ترتبط عادة بخلل التوازن الميكروبي. وتظهر تغيّرات مشابهة في دراسات أُجريت على التربة والأسماك والدواجن والقوارض المتأثرة بالميكروبلاستيك، وتشمل إجهادًا تأكسديًا وانخفاض نشاط الإنزيمات وضعف الهضم.
وأكدت الدراسة أن الجزيئات الأصغر كانت أشد تأثيرًا، بسبب مساحتها السطحية الكبيرة وقربها من الكائنات الدقيقة، ما يعزز احتمالات التفاعل الميكانيكي والبيوكيميائي وربما زيادة التفكك.
وقالت جانا سيفرت من جامعة هوهنهايم: “تُظهر دراستنا لأول مرة أن الميكروبلاستيك لا يمر مرورًا بسيطًا عبر الجهاز الهضمي للحيوانات الزراعية، بل يتفاعل مع ميكروبيوم الأمعاء ويغير عمليات التخمير ويتفكك جزئيًا”.

الميكروبلاستيك وسلامة الغذاء

قد تنتقل الجزيئات الدقيقة إلى ما بعد الكرش، إذ تستطيع الجسيمات الأصغر من 100 ميكرومتر اختراق الحواجز المعوية والتراكم داخل الأنسجة، ما يثير مخاوف حول سلامة المنتجات الحيوانية مثل اللحوم والألبان.
ويمكن أن يؤدي إجهاد الميكروبيوم إلى تراجع كفاءة الاستفادة من العلف، وهو ما ينعكس على أداء الحيوانات وتكاليف الإنتاج.
كما قد تمر الجزيئات بسهولة أكبر لدى الحيوانات الصغيرة أو المجهدة.
وقال كورت تسولفرانك من جامعة ميونيخ التقنية: “التلوث البلاستيكي ليس مشكلة بيئية بعيدة، بل له عواقب بيولوجية مباشرة على الحيوانات الزراعية – وربما على البشر – عبر السلسلة الغذائية”.

خفض البلاستيك في الأنظمة الزراعية

يدعو الباحثون إلى ضبط استخدام البلاستيك في الزراعة، إذ تسهم أغلفة السيلاج وبقايا التعبئة والحمأة في زيادة الميكروبلاستيك.
ويمكن للحد من هذه المصادر أن يحمي الحيوانات والمستهلكين.
كما يقدم البحث دليلًا جديدًا للمشرعين والأطباء البيطريين حول تأثير البلاستيك على ميكروبيوم الكرش وتفكك الجزيئات أثناء الهضم، وهو ما يجب مراعاته عند وضع الحدود الآمنة لتلوث الأعلاف.
ورغم أن الدراسة تفتح الباب أمام فهم أوسع، فإنها تترك عدة أسئلة مفتوحة بشأن مدى انتقال الجزيئات داخل الأنسجة، وكمية ما يتراكم منها، وما إذا كانت تتحول إلى نانوبلاستيك أثناء الهضم.
ويحتاج العلماء أيضًا إلى قياس الغازات بدقة أكبر لتحديد كيفية تأثير تفكك البلاستيك على التخمير، ومع ذلك، تبقى الرسالة الأساسية واضحة:
الميكروبلاستيك لا يظل خاملاً داخل الحيوانات الزراعية، بل يثير استجابات ميكروبية ويؤثر في سلامة السلسلة الغذائية.

Exit mobile version