تخيّل محاولة فهم الحياة على كوكب الأرض ليس من خلال الكائنات الحية ككل، بل بالنظر إلى مكوناتها الدقيقة: الخلايا. هذا هو الطموح وراء مشروع “أطلس التنوع الخلوي” (Biodiversity Cell Atlas)، الذي يسعى إلى رسم خريطة شاملة لكل نوع من الخلايا في الكائنات حقيقية النواة، في محاولة لبناء أطلس للحياة على المستوى المجهري.
رغم تنوع الحياة المذهل على الأرض، فإن جميع الكائنات تعتمد على اللبنات نفسها: الخلايا. ومع أن العلماء تمكنوا من فك الشفرات الجينية للعديد من الكائنات، فإن تسلسل الجينوم لا يفسر بالكامل كيف تنشأ هذه الأنواع المدهشة من الخلايا. هذا الغموض ترك فجوة كبيرة في فهمنا لآليات الحياة.
المشروع الجديد، الذي نُشر تفصيله في دورية Nature، يقوده معهد “ويلكم سانغر” في المملكة المتحدة ومركز التنظيم الجينومي في برشلونة، بمشاركة فرق بحثية من مختلف أنحاء العالم.
ويهدف إلى دراسة الحياة على مستوى الخلية الواحدة، ومقارنة أنواع الخلايا وأنماط التعبير الجيني بين الأنواع ومراحل النمو المختلفة.
بهذه الطريقة، سيتمكن العلماء من ربط ما تخبرنا به الجينات بما تفعله الخلايا فعليًا، لتكوين خريطة حية توضّح كيفية تفاعل الخلايا وتطورها.
شجرة داروين للحياة
شهد علم الجينوم خلال العقود الماضية تحولات هائلة منذ صدور أول مسودة للجينوم البشري، إذ فتحت الطريق لمشروعات ضخمة مثل مشروع “شجرة داروين للحياة” الذي يسعى إلى تسلسل جينومات جميع الأنواع في بريطانيا وأيرلندا.
لكن هذه المشاريع تقتصر على قراءة الجينوم، ولا تفسر كيف يُنتج هذا الجينوم التنوع الخلوي المذهل في الكائنات الحية.
هنا يأتي دور “أطلس التنوع الخلوي”، الذي يربط بيانات الجينوم بوظائف الخلايا، مما قد يكشف كيف قادت عملية التطور إلى ظهور هذا الكم الهائل من الأنواع الخلوية على الكوكب.
في المرحلة الأولى من المشروع، سيختبر العلماء بروتوكولات مختلفة لدراسة التعبير الجيني في الخلايا المفردة عبر أنواع متعددة من الكائنات، بهدف الوصول إلى منهجية موحدة تسمح بمقارنة البيانات عالميًا. فوجود إطار مشترك ضروري لضمان اتساق النتائج وتمكين التعاون الدولي في مجال علوم الحياة.
ولا يقتصر المشروع على التكنولوجيا المتقدمة فحسب، بل يتطلب أيضًا شراكات بين علماء الأحياء والجينوم والبيئة، إضافة إلى مشاركة المجتمعات المحلية لضمان توزيع عادل للفوائد والمعرفة الناتجة عن هذا الجهد العلمي الضخم.
يقول الدكتور أرنو سيبي بيدروس، مؤسس المبادرة في مركز التنظيم الجينومي وأستاذ مشارك بمعهد “سانجر”:
“فهم التنوع الحيوي يتطلب تعاونًا عابرًا للتخصصات. ومن خلال توحيد الجهود ووضع إطار مشترك للتنسيق والمعايير، يمكن للجميع الاستفادة من هذا العمل.”
وأضاف أن الهدف هو توسيع آفاق البحث العلمي وفهم التطور على نطاق غير مسبوق، وفتح الباب لاكتشافات لم يكن من الممكن تخيلها من قبل.
تحديد الخصائص الخلوية القديمة والمشتركة بين الأنواع
كما أوضحت الدكتورة مارا لونيتشاك، قائدة المشروع المشاركة بمعهد “سانغر”، أن مشروعات تسلسل الجينوم في بدايات الألفية كانت مغامرة علمية كبرى غيّرت مسار العلوم، متوقعةً أن يترك هذا المشروع الجديد تأثيرًا مشابهًا في مجالات الطب والحفاظ على البيئة.
يهدف “أطلس التنوع الخلوي” إلى جمع بيانات مفصلة عن الخلايا المفردة لمختلف الكائنات وربطها بجينوماتها عالية الجودة، ضمن إطار موحّد لتمكين المقارنة الدقيقة.
وإذا نجح المشروع، فسيساعد في تحديد الخصائص الخلوية القديمة والمشتركة بين الأنواع، وفهم كيفية نشوء أنواع جديدة من الخلايا وتخصصها، بل وكيفية تفاعل خلايا الكائنات المختلفة في النظم البيئية.
إنها خريطة شاملة للحياة على مستوى الخلية، قد تغيّر الطريقة التي نفهم بها التطور والتنوع الحيوي، وتفتح آفاقًا جديدة للطب والصناعة وحماية الكائنات المهددة بالانقراض.
فما بدأ يومًا بتسلسل الجينوم البشري، يتوسع الآن ليشمل رسم أطلس الحياة… خليةً بخلية.
