تتسبب الفيضانات والحرائق والجفاف وغيرها من آثار ارتفاع حرارة الكوكب في أضرار تقدر بمليارات الدولارات سنويًا، فيما تتزايد الأسئلة حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل تكاليف الاستجابة لهذه الأضرار والتكيف معها.
وفي الولايات المتحدة، رفعت عشرات الولايات والمدن والمقاطعات والقبائل دعاوى قضائية ضد شركات نفط كبرى، مطالبة إياها بالمساهمة في تكاليف جهود التعافي وإعادة الإعمار والإجراءات الرامية إلى حماية السكان والممتلكات من الأضرار المرتبطة بتغير المناخ.
وتستند هذه الدعاوى، في عدد منها، إلى ادعاءات بأن شركات الوقود الأحفوري كانت تعلم أن منتجاتها تسهم في تغير المناخ، لكنها لم تكشف للجمهور بصورة كاملة عن مخاطر حرق الوقود الأحفوري وتأثيره في ارتفاع حرارة الكوكب.
وتشير الأدلة التي تستشهد بها هذه الدعاوى إلى أن علماء في شركات مثل «إكسون» وغيرها أجروا في العقود السابقة توقعات بشأن ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وحذروا من أن الحد الكبير من استخدام الوقود الأحفوري ضروري لتجنب الاحترار الشديد. كما تتهم بعض الدعاوى شركات الوقود الأحفوري بتمويل جماعات تنكر تغير المناخ أو الترويج لروايات هدفت، بحسب هذه الدعاوى، إلى تأخير التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
في المقابل، دفعت الشركات بأن القوانين الفيدرالية والدستور الأمريكي يمنعان هذه المطالبات الرامية إلى استرداد التكاليف التي تحملها دافعو الضرائب.
وتصل هذه المواجهة القانونية إلى المحكمة العليا الأمريكية في قضية Suncor Energy v. County Commissioners of Boulder County، التي تنظرها المحكمة في 5 أكتوبر 2026، وتتناول بصورة أساسية ما إذا كان القانون الفيدرالي يمنع جهود الولايات والسلطات المحلية لاسترداد تكاليف الأضرار المرتبطة بتغير المناخ.
وتكتسب القضية أهمية كبيرة بالنسبة إلى المجتمعات التي تتحمل بالفعل تكاليف متزايدة للتكيف مع تغير المناخ.
قضية سونكور
في عام 2018، رفعت مقاطعة بولدر في ولاية كولورادو دعوى أمام محكمة الولاية ضد شركتي سونكور وإكسون، مطالبة بتعويضات عن أضرار سابقة ومتوقعة مستقبلًا تقول المقاطعة إن أعمال الشركتين في مجال الوقود الأحفوري أسهمت فيها.
وقالت بولدر إنها أنفقت ملايين الدولارات، وتتوقع إنفاق المزيد مستقبلًا، على إجراءات تهدف إلى حماية المجتمع من كوارث مرتبطة بالمناخ، من بينها حرائق الغابات والفيضانات.
وردت الشركتان بأن القانون الفيدرالي، وتحديدًا قانون الهواء النظيف (Clean Air Act)، يمنع تحميلهما المسؤولية بموجب قانون الولاية.
وفي عام 2025، رفضت المحكمة العليا في كولورادو هذا الدفع، معتبرة أن الدعوى تتعلق بادعاءات بشأن تضليل الجمهور والتكاليف المحلية، وليست محاولة غير مسموحة من الولاية لتنظيم الانبعاثات الخاضعة للقانون الفيدرالي.
وأعادت المحكمة القضية إلى المحكمة الأدنى لمواصلة نظرها.
لكن وصول القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية يثير مسألة إجرائية أيضًا؛ إذ ينص القانون الفيدرالي على أن المحكمة العليا لا تراجع عادة سوى الأحكام أو القرارات النهائية الصادرة عن أعلى محكمة في الولاية.
وبما أن قرار المحكمة العليا في كولورادو لم يكن حكمًا نهائيًا في القضية بأكملها، فقد ترى المحكمة العليا الأمريكية أن الوقت لم يحن بعد للتدخل في القضية.
انسحاب القاضي أليتو
وقبل أسبوع واحد من المرافعات الشفوية، ظهر تطور آخر في القضية، ففي 28 سبتمبر 2026، أعلنت المحكمة العليا أن القاضي صمويل أليتو، لن يشارك في جلسات الاستماع والمداولات المتعلقة بقضية سونكور.
ولم تقدم المحكمة سببًا لذلك، لكن أليتو واجه ضغوطًا سابقة للتنحي بسبب حيازاته المالية في عدد من شركات النفط، بحسب تقارير تناولت القضية.
ويفتح غيابه الباب أمام احتمال صدور قرار منقسم بالتساوي بين القضاة المشاركين، وفي هذه الحالة سيظل قرار المحكمة العليا في كولورادو قائمًا.
ماذا يعني «السبق الفيدرالي»؟
تدور إحدى أهم الحجج القانونية في القضية حول مبدأ يعرف باسم السبق الفيدرالي (Federal Preemption)، أي الحالات التي يحل فيها القانون الفيدرالي محل قانون الولاية أو يمنع تطبيقه.
وفي عام 1947، قضت المحكمة العليا بأن القوانين الفيدرالية لا ينبغي افتراض أنها تلغي قوانين الولايات ما لم يكن ذلك هو «الغرض الواضح والصريح» للكونغرس عند إقرار القانون.
لكن المحكمة قضت في عام 1992 بأن قانون الولاية الذي يتعارض مع القانون الفيدرالي أو يتدخل في تطبيقه يجب أن يخضع للقانون الفيدرالي.
وينقسم السبق الفيدرالي بصورة عامة إلى نوعين: صريح وضمني، ويحدث السبق الصريح عندما ينص القانون الفيدرالي نفسه على أنه يحل محل قوانين الولايات في مجال محدد.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك حكم المحكمة العليا في يونيو 2026 في قضية Monsanto v. Durnell، التي قضت فيها بأن قانونًا فيدراليًا يتعلق بالمبيدات الحشرية يمنع ولاية من فرض متطلبات تحذيرية معينة تتعارض معه.
أما السبق الضمني فهو أكثر تعقيدًا، ويمكن أن يحدث عندما يتعارض قانون الولاية مع القانون الفيدرالي، أو عندما يشكل عقبة أمام تحقيق هدف فيدرالي، أو عندما يكون الكونغرس قد أنشأ نظامًا تنظيميًا شاملًا يحتل مجالًا قانونيًا بأكمله.
حجج تتعلق بقانون الهواء النظيف
بحسب التحليل القانوني الوارد في المقال، تواجه شركات الوقود الأحفوري عدة عقبات في الاستناد إلى مبدأ السبق الفيدرالي.
أولها أن قانون الهواء النظيف يتضمن منذ عام 1970 نصًا ينص صراحة على أن القانون الفيدرالي لا يمنع قوانين الولايات التي توفر وسائل علاج أو تعويض إضافية بشأن تلوث الهواء.
كما أشارت المحكمة العليا في عام 2011 إلى أن هذا النص يترك مجالًا أمام الولايات والمدن للمطالبة، بموجب قوانينها المحلية، بتعويضات عن آثار تغير المناخ.
وتتمثل الحجة الثانية في عدم وجود تعارض مباشر بين قانون الولاية وقانون الهواء النظيف، إذ يمكن من الناحية القانونية أن تلتزم الشركة بكلا النظامين في الوقت نفسه.
فقانون الهواء النظيف ينظم تلوث الهواء من مصادر، مثل السيارات ومحطات توليد الكهرباء، بينما تستند دعوى بولدر بصورة رئيسية إلى ادعاءات تتعلق بتضليل المستهلكين والجمهور.
أما الحجة الثالثة فتتعلق بأن قانون الهواء النظيف لا يحتل كامل مجال تنظيم تلوث الهواء، إذ يتضمن نصوصًا تمنح الولايات صلاحية وضع معايير أكثر صرامة للسيطرة على التلوث.
والحجة الرابعة هي أن الكونغرس اختار بالفعل، عند صياغة القانون، منع بعض أشكال تنظيم الولايات، ومنها التنظيم المتعلق بانبعاثات المركبات الجديدة، لكنه لم يمنع الولايات من تنظيم مصادر صناعية مثل محطات توليد الكهرباء ومصافي النفط.
وبحسب هذا التحليل، فإن اختيار الكونغرس منع بعض أشكال التنظيم دون غيرها يمكن أن يُستخدم دليلًا على أنه لم يقصد إلغاء سلطة قوانين الولايات بصورة شاملة.
الحجج الدستورية
تدفع شركات الوقود الأحفوري أيضًا بأن الولايات لا تملك سلطة معالجة مصادر التلوث التي تتجاوز حدودها إلى مناطق أخرى أو إلى دول أخرى، ما لم يمنحها الكونغرس هذه السلطة بصورة محددة.
ويرتبط هذا الدفع بالتعديل العاشر للدستور الأمريكي، الذي يقرر أن السلطات التي لم يفوضها الدستور إلى الحكومة الفيدرالية تبقى للولايات أو للشعب، وهو الأساس الدستوري لمفهوم السيادة المزدوجة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات.
ويطرح هذا الجانب من القضية سؤالًا حول مدى سلطة الولايات في حماية سكانها من الأضرار التي تسببها الشركات، عندما تكون مصادر التلوث أو آثارها عابرة للحدود.
كما تجادل الشركات بأن هذه الدعاوى تمس السلطة الحصرية للحكومة الفيدرالية في مجال العلاقات الخارجية.
وقد تعاملت المحكمة العليا مع هذا النوع من السبق الفيدرالي في عدد محدود من القضايا، وربطته في حالات سابقة بتعارض قانون الولاية مع سياسة خارجية محددة للحكومة الفيدرالية.
ومن الأمثلة حكم صدر عام 2000 وألغى قانونًا في ولاية ماساتشوستس كان يمنع بعض الهيئات الحكومية من التعامل التجاري مع بورما، بعدما أقر الكونغرس لاحقًا قانونًا فيدراليًا ينظم التجارة الأمريكية مع ذلك البلد.
ويبقى توسيع هذا المبدأ ليشمل تنظيم تلوث الهواء وتغير المناخ موضع خلاف قانوني في القضية الحالية.
موقف إدارة ترامب يضيف تعقيدًا جديدًا
تتداخل القضية أيضًا مع التغير في موقف الحكومة الفيدرالية الأمريكية بشأن تنظيم انبعاثات غازات الدفيئة منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية.
فقد غيرت وكالة حماية البيئة الأمريكية EPA موقفها بشأن الأساس القانوني لتنظيم تغير المناخ، وأصبحت تتبنى موقفًا مفاده، بصورة عامة، أن قانون الهواء النظيف لا يمنح الحكومة الفيدرالية سلطة تنظيم انبعاثات غازات الدفيئة بالطريقة التي تبنتها إدارات سابقة.
وتواجه هذه القرارات طعونًا قضائية لا تزال منظورة.
لكن هذا الموقف يمكن أن يؤثر في حجة شركات الوقود الأحفوري المتعلقة بالسبق الفيدرالي؛ إذ إن القول إن القانون الفيدرالي لا يمنح الحكومة سلطة تنظيم انبعاثات غازات الدفيئة يمكن أن يضعف، من الناحية القانونية، الحجة القائلة إن القانون نفسه يمنع الولايات من تطبيق قوانينها الخاصة بشأن هذه الانبعاثات أو الأضرار المرتبطة بها.
مليارات الدولارات على المحك
لا تقتصر أهمية قضية سونكور على مقاطعة بولدر أو الشركتين المعنيتين، إذ توجد دعاوى مشابهة رفعتها مدن ومقاطعات وولايات ضد شركات الوقود الأحفوري في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة.
ويتمحور جزء أساسي من هذه القضايا حول سؤال مختلف عن تحديد المسؤولية عن تغير المناخ على المستوى العلمي: هل يمكن للسلطات المحلية والولايات، بموجب قوانينها الخاصة، أن تطالب شركات الوقود الأحفوري بتحمل جزء من تكاليف الأضرار التي تقول إنها مرتبطة بتغير المناخ؟
وقد يؤدي حكم المحكمة العليا بشأن حدود تطبيق القانون الفيدرالي على هذه الدعاوى إلى التأثير في مسار عدد كبير من القضايا المشابهة.
وتأتي هذه المعركة القانونية في وقت تتحمل فيه المجتمعات المحلية تكاليف متزايدة للوقاية من الفيضانات وحرائق الغابات وغيرها من المخاطر المناخية، بينما يستمر الجدل حول توزيع هذه التكاليف بين الحكومات ودافعي الضرائب والشركات المرتبطة بصناعة الوقود الأحفوري.
ومن المقرر أن تستمع المحكمة العليا الأمريكية إلى المرافعات في القضية في 5 أكتوبر 2026، لتبدأ مرحلة جديدة من نزاع قانوني يجمع بين قانون الولايات والقانون الفيدرالي والدستور، وبين قضية أوسع تتعلق بمن يتحمل تكلفة الأضرار الناجمة عن تغير المناخ.
