تواجه الحدائق التاريخية في إنجلترا تهديدًا متزايدًا بفعل تغير المناخ، بعدما تسببت موجات الحر القياسية والجفاف الشديد هذا الصيف في إجهاد الأشجار المعمرة وإتلاف المساحات الخضراء، وسط مخاوف من فقدان أشجار استغرق نموها عقودًا، وتغير ملامح حدائق ارتبطت بالتاريخ والثقافة الإنجليزية لقرون.
وفي حدائق قصر هامبتون كورت، جنوب غربي لندن، امتدت مساحات واسعة من العشب المحترق الذي تحول إلى اللون البيج، بينما بدأت الأشجار القديمة تظهر علامات واضحة على الإجهاد الحراري.
وقال جراهام ديلامور، كبير البستانيين في هامبتون كورت، والذي أمضى أكثر من 20 عامًا في رعاية حدائق القصر ذي الطرازين الباروكي والتودوري، إن تكرار صيف بهذه القسوة خلال العام المقبل سيجعل الحفاظ على الحدائق تحديًا بالغ الصعوبة.
وتعد حدائق القصور التاريخية، مثل هامبتون كورت وبلاينهايم وتشاتسوورث، من أبرز مناطق الجذب السياحي في إنجلترا، وقد صمم أجزاء منها مهندسو حدائق بارزون، من بينهم لانسيلوت «كابابيليتي» براون وويليام كِنت.
لكن أسلوب الزراعة التاريخي والأشجار العتيقة التي تميز هذه الحدائق يتعرضان لضغوط متزايدة بسبب تغير المناخ، مع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر وفترات الجفاف.
الأشجار العتيقة تدفع الثمن
لا يشعر مسؤولو الحدائق بالحرج من تحول بعض المساحات العشبية إلى اللون الأصفر والقشّي، خصوصًا مع إدراك الزوار أنفسهم حجم أزمة المياه والقيود المفروضة عليها، لكن القلق الحقيقي يتعلق بالعواقب طويلة الأجل.
وتظهر الأشجار الناضجة، التي احتاجت إلى عقود حتى تصل إلى أحجامها الحالية، علامات واضحة على الإجهاد؛ إذ تتدلى أغصانها وتتحول أوراق بعضها إلى اللون البني خلال شهر أغسطس، في استجابة للحرارة الشديدة ونقص المياه.
وقال ديلامور إن بعض الأشجار «استسلمت بالفعل»، ولن تتمكن من التعافي، مشيرًا إلى أن فقدان الأشجار المعمرة يمثل خسارة مأساوية في الحدائق التاريخية.
وتواجه حدائق قصر تشيسويك، غربي لندن، المشكلة نفسها.
وقالت روزي فايلز، رئيسة الحدائق في تشيسويك هاوس، إن العاملين فقدوا بالفعل عددًا من الأشجار، مشيرة إلى أن الأكثر تضررًا هي الأنواع التي ترتبط تقليديًا بصورة الحدائق والمناظر الطبيعية الإنجليزية، ومنها البلوط والجميز والبتولا والزيزفون.
وأضافت أن هذه الأشجار لا يمكنها تحمل مستويات الإجهاد المناخي إلى ما لا نهاية، موضحة أنها تشرف على نحو 1800 شجرة في الحدائق.
الأشجار الكبيرة لا يمكن ريها بسهولة
تتمثل إحدى أكبر مشكلات الحدائق التاريخية في صعوبة ري الأشجار الناضجة، إذ إن حجمها وامتداد جذورها يجعلان توفير كميات المياه اللازمة لها أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي تشيسويك، اضطر العاملون إلى ري أشجار الكاميليا وشجيرات الليلك التي بدأت تتدلى، رغم أنها من النباتات التي تتحمل عادة التعرض للشمس.
وحاولت إدارة الحديقة تعزيز قدرتها على جمع مياه الأمطار وتخزينها، لكن مخزون المياه المتاح نفد قبل عدة أشهر.
وقالت فايلز إن هناك حدودًا لما يمكن للبشر التدخل فيه والسيطرة عليه، وهو أمر يصعب تقبله بالنسبة إلى العاملين في مجال البستنة.
وأشارت إلى أن الظروف الحالية تجبر مسؤولي الحدائق على إعادة التفكير في الأنواع التي ينبغي زراعتها مستقبلًا، وما إذا كانت بعض الأشجار والنباتات قادرة على الاستمرار في ظل المناخ المتوقع خلال العقود المقبلة.
«ندخل منطقة مجهولة»
يصف مسؤولو الحدائق الوضع الحالي بأنه غير مسبوق بالنسبة إليهم.
وقال ديلامور إنه لم يشعر من قبل بهذا القدر من عدم اليقين بشأن مستقبل الحدائق والمناظر الطبيعية التاريخية، معتبرًا أن التغيرات الحالية تدفع العاملين إلى التعامل مع ظروف لم يختبروها من قبل.
ولا تقتصر التأثيرات على الجفاف وموجات الحر، إذ أظهرت نتائج مسح أجرته مؤسسة «National Lottery Heritage Fund» في وقت سابق من العام أن جميع الحدائق التاريخية التي شملها المسح تأثرت بالفعل بتغير المناخ.
وتشمل التأثيرات أيضًا العواصف الشديدة والأمطار الغزيرة خلال فصل الشتاء، والتي يمكن أن تهيئ ظروفًا ملائمة لانتشار الفطريات والآفات والحشرات.
وقال درو بينليك، رئيس سياسات الأراضي والبحار والطبيعة في المؤسسة، إن الحدائق التاريخية تقع «في الخطوط الأمامية» لأزمة تغير المناخ، وإن التغيرات تحدث بسرعة متزايدة.
وأشار إلى أن بعض المواقع فقدت 80% من غطائها الشجري، في مؤشر على حجم الخسائر المحتملة التي تواجهها هذه المساحات التاريخية.
نصف أشجار كيو معرضة لخطر الموت بحلول 2090
وتشير نماذج مناخية أعدها باحثون في الحدائق النباتية الملكية في كيو، وهي أحد مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو، إلى أن 50% من أشجار الحدائق قد تصبح معرضة لخطر الموت بحلول عام 2090.
وتعكس هذه التوقعات حجم التحدي الذي تواجهه الحدائق التاريخية، التي لا تمثل مجرد مساحات خضراء، بل جزءًا من التراث الثقافي والتاريخي للبلاد.
ويرى القائمون عليها أن حماية هذه الحدائق والحفاظ عليها أمر ضروري، لكن الحفاظ على قيمتها التاريخية لن يعني بالضرورة إبقاء كل شيء فيها كما هو.
وقال ديلامور إن الحدائق بحاجة أيضًا إلى التغير خلال السنوات المقبلة، وإلا فإن أجزاء منها قد تختفي بفعل تغير المناخ.
لكن هذا التحول يفرض قرارات صعبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأشجار ونباتات ارتبطت هوية الحدائق بها لقرون.
النباتات المتوسطية تدخل الحدائق الإنجليزية
بدأت بعض الحدائق التاريخية بالفعل في تجربة أنواع نباتية جديدة أكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف.
وأوضح بينليك أن بعض الحدائق تتجه إلى زراعة نباتات متوسطية، إلى جانب زيادة الاعتماد على أنواع من الأعشاب والنباتات المعمرة التي تستطيع تحمل ظروف الجفاف.
وفي هامبتون كورت، أُنشئت أحواض تجريبية لاختبار نباتات معمرة قادرة على النمو في درجات حرارة مرتفعة.
ومن بين النباتات التي جرى اختبارها نباتات Siskiyou Pink، وهي من الأنواع المحلية في جنوب الولايات المتحدة، وقد زُرعت في أبريل/نيسان، وأظهرت نموًا قويًا رغم عدم اعتمادها على نظام ري آلي.
كما أظهرت نباتات أخرى، من بينها نباتات الإكيناسيا الشبيهة بأزهار الأقحوان والمستوحاة من مروج الولايات المتحدة، قدرة جيدة على تحمل الظروف الحارة.
وقال ديلامور إنه راضٍ عن النتائج الأولية لهذه التجارب.
الحدائق تتخلى عن بعض قواعدها التقليدية
ولا تقتصر عملية التكيف مع تغير المناخ على تغيير أنواع النباتات.
فقد توقفت حدائق هامبتون كورت وتشيسويك عن تقليب التربة في أحواض الزهور، كما أصبحت أكثر تساهلًا مع نمو بعض الحشائش، في محاولة للحفاظ على رطوبة التربة وتقليل التدخلات التي قد تزيد من إجهاد النباتات.
وتدرس الجمعية الملكية للبستنة في بريطانيا أيضًا نقل جزء من مجموعتها من نباتات الهدرانج التي تعاني إجهادًا حراريًا في منطقة ساري، جنوب غربي لندن، إلى مناطق أخرى من إنجلترا تكون ظروفها المناخية أكثر ملاءمة.
وتعكس هذه الخطوات تحولًا في فلسفة إدارة الحدائق، من محاولة الحفاظ على الشكل التقليدي بأي ثمن إلى البحث عن طرق تسمح باستمرار الحدائق في ظل مناخ أكثر حرارة وجفافًا.
كيف تحافظ إنجلترا على حدائقها التاريخية؟
تكمن المعضلة الأساسية في أن الحدائق التاريخية لا يمكن نقلها ببساطة إلى مناطق أكثر ملاءمة، ولا يمكن استبدال أشجارها القديمة بسرعة.
وقال ديلامور إن حدائق هامبتون كورت تحكي تاريخ القصر بقدر ما يحكيه المبنى نفسه، ولذلك لا يمكن ببساطة «حزم الحديقة ونقلها» إلى مكان آخر.
وهنا تبرز معضلة الحفاظ على التراث في عصر تغير المناخ: كيف يمكن الحفاظ على الهوية التاريخية للحديقة، مع تغيير أنواع النباتات وأساليب إدارتها حتى تتمكن من البقاء؟
وتشير التجربة البريطانية إلى أن الإجابة قد تتطلب مزيجًا من حماية الأشجار القديمة قدر الإمكان، وتطوير إدارة أكثر كفاءة للمياه، وزيادة جمع مياه الأمطار، وتجربة أنواع نباتية أكثر تحملًا للحرارة والجفاف، والسماح بدرجة أكبر من المرونة في تصميم الحدائق.
لكن مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الحر والجفاف، قد لا يكون هذا كافيًا لإنقاذ جميع الأشجار التاريخية.
وتواجه الحدائق الإنجليزية بذلك خطر فقدان جزء من ملامحها التقليدية، ليس بسبب الإهمال، وإنما لأن المناخ الذي نشأت فيه هذه الحدائق وتطورت عبر القرون لم يعد هو المناخ نفسه الذي تواجهه اليوم
