تدفع القفزة الكبيرة في أسعار الغاز الطبيعي محطات الكهرباء الأوروبية إلى زيادة الاعتماد على الفحم والليغنيت، بعدما أصبح توليد الكهرباء بالفحم أكثر ربحية من الغاز للمرة الأولى منذ عام 2024 على الأقل.
وتشير تحليلات سوق الطاقة إلى أن إنتاج الكهرباء من الفحم، وهو الوقود الأحفوري الأكثر تلويثًا، قد يرتفع بنحو ربع مستواه خلال الأشهر الستة المقبلة، بالتزامن مع انخفاض مماثل في التوليد من محطات الغاز.
ويأتي ذلك في الوقت الذي تجاوزت فيه أسعار الغاز الأوروبية القياسية 80 يورو لكل ميجاواط/ساعة خلال سبتمبر، وهو أعلى مستوى لها في نحو ثلاث سنوات، وسط اضطرابات في إمدادات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.
وأدى ارتفاع تكلفة الغاز إلى تغيير المعادلة الاقتصادية لمحطات الكهرباء، إذ أصبحت بعض محطات الفحم والليغنيت أكثر جدوى من نظيراتها العاملة بالغاز.
الفحم يتفوق اقتصاديًا على الغاز
تكشف بيانات شركة التحليلات ICIS عن تحول واضح في مؤشرات ربحية الوقود المستخدم في توليد الكهرباء.
فقد ارتفع ما يعرف باسم هامش الفحم النظيف – Clean Dark Spread، وهو مقياس تقريبي لربحية توليد الكهرباء باستخدام الفحم بعد احتساب تكلفة الكربون، في الوقت الذي تراجع فيه هامش الغاز النظيف – Clean Spark Spread، وهو المقياس المقابل لمحطات الغاز.
وبذلك أصبح تشغيل محطات الفحم أكثر جاذبية اقتصاديًا من تشغيل محطات الغاز في عدد من الأسواق الأوروبية.
ويمثل هذا تحولًا عن الاتجاه الذي دعم خلال السنوات الماضية خروج الفحم تدريجيًا من مزيج الكهرباء الأوروبي، مع إغلاق محطات فحم وتوسع مصادر الطاقة المتجددة.
لكن هذه العودة لا تعني أن أوروبا تمتلك قدرة غير محدودة على زيادة توليد الكهرباء بالفحم.
حصة الفحم تراجعت إلى مستوى قياسي منخفض
أغلقت الحكومات وشركات الطاقة عددًا كبيرًا من محطات الفحم خلال العقود الماضية، بالتزامن مع توسع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتشديد السياسات المناخية.
وانخفضت حصة الفحم من مزيج توليد الكهرباء في الاتحاد الأوروبي من أكثر من الثلث عام 1990 إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 9.2% في عام 2025، وفق بيانات يوروستات.
ومع ذلك، تظل محطات الفحم والغاز جزءًا مهمًا من قدرة النظام الكهربائي على التعامل مع فترات انخفاض إنتاج الطاقة المتجددة.
فإنتاج الرياح والطاقة الشمسية يعتمد على الظروف الجوية، ولذلك تحتاج شبكات الكهرباء إلى مصادر يمكنها توفير الكهرباء عندما لا يكون إنتاج المصادر المتجددة كافيًا لتلبية الطلب.
وتزداد أهمية هذه القدرة خلال فصل الشتاء، عندما ينخفض إنتاج الطاقة الشمسية في بعض المناطق الأوروبية.
أزمة الغاز تعيد استخدام الفحم
ارتفاع أسعار الغاز يجعل محطات الفحم المتبقية أكثر قدرة على المنافسة اقتصاديًا، لكن عدد هذه المحطات انخفض بدرجة كبيرة خلال السنوات الماضية، ما يعني أن قدرة أوروبا على العودة إلى الفحم أصبحت أضيق بكثير مما كانت عليه خلال أزمات الطاقة السابقة.
ويشير محللو سوق الكهرباء إلى أن استخدام الفحم في أوروبا قد يرتفع بنحو 27% خلال الربع الرابع من العام، ليقترب من الحد الأقصى الذي تستطيع الأساطيل الحالية إنتاجه.
وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار الغاز لا يؤدي فقط إلى تحول اقتصادي من الغاز إلى الفحم، وإنما يكشف أيضًا عن حدود القدرة المتبقية لمحطات الفحم الأوروبية.
ألمانيا تقترب من الحد العملي لاستخدام الفحم
يظهر هذا الوضع بوضوح في ألمانيا، أكبر سوق للكهرباء في أوروبا وأحد أكبر مستهلكي الغاز، ومن المتوقع أن يقترب توليد الكهرباء بالفحم في ألمانيا خلال الربع الرابع من الحد العملي المتاح، بما يعادل تقريبًا أقوى إنتاج فصلي سجلته محطات الفحم المتبقية في البلاد.
وتشير بيانات مزود بيانات أسواق الكربون Veyt إلى أن معظم الطاقة الإضافية المتبقية من محطات الفحم مقيدة حاليًا بسبب جاهزية المحطات وقدرتها التشغيلية، وليس بسبب عدم جدواها الاقتصادية.
وهذا يعني أن ارتفاع أسعار الغاز بصورة أكبر لن يتيح لشركات الكهرباء ببساطة زيادة الاعتماد على الفحم بالقدر نفسه.
وقال فلوريان بونكه، محلل لدى ICIS، إن وصول سعر الغاز إلى 100 يورو لكل ميجاواط/ساعة لن يمنح قطاع الكهرباء مساحة كبيرة إضافية للتحول إلى الفحم، بسبب القيود التشغيلية على الأسطول المتبقي.
الفحم قد يظل أرخص من الغاز حتى 2028
ولا يبدو التحول الحالي بالضرورة قصير الأجل، وترى مارتا فرونيسفسكا، المحللة لدى Veyt، أن الفحم قد يظل أقل تكلفة من الغاز عند استخدامه لتوليد الكهرباء خلال العام المقبل، وربما حتى مارس 2028.
وتشير أسعار الغاز للعقود طويلة الأجل إلى توقعات في السوق باستمرار قيود الإمدادات لفترة أطول.
وبذلك قد يستمر الفرق الاقتصادي بين الفحم والغاز في التأثير على قرارات تشغيل محطات الكهرباء الأوروبية، ما لم تتغير أسعار الوقود أو ظروف الإمدادات بصورة كبيرة.
الطاقة المتجددة تخفف الضغط ولا تلغي الحاجة إلى المصادر المرنة
تلعب الطاقة الشمسية وطاقة الرياح دورًا متزايدًا في تخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري، خصوصًا خلال فترات ارتفاع إنتاج الطاقة المتجددة في الربيع والصيف.
لكن إنتاج هذه المصادر يتغير بحسب الطقس والفصول.
وعندما لا يكون إنتاج الرياح أو الشمس كافيًا لتلبية الطلب، تلجأ شركات الكهرباء إلى المحطات القابلة للتشغيل لتوفير الطاقة اللازمة والحفاظ على توازن الشبكة.
ولهذا يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الغاز إلى زيادة استخدام الفحم في المدى القصير، حتى مع استمرار توسع الطاقة المتجددة على المدى الأطول.
إغلاق آخر محطة نووية يزيد ضغوط النظام الألماني
في ألمانيا، أصبحت خيارات موازنة نظام الكهرباء أكثر محدودية بعد إغلاق آخر محطة نووية في البلاد عام 2023.
وجاء قرار إغلاق المحطات النووية بعد تراجع أسعار الغاز عن مستوياتها القياسية التي شهدتها أوروبا خلال أزمة الطاقة، عندما كانت القارة تسعى إلى استبدال إمدادات الغاز الروسي.
لكن عودة أسعار الغاز إلى الارتفاع تضع نظام الكهرباء أمام معادلة أكثر تعقيدًا: الفحم أكثر ربحية من الغاز، لكن محطات الفحم المتبقية تقترب من أقصى قدرتها التشغيلية، بينما يعتمد جزء متزايد من الكهرباء على مصادر متجددة متغيرة الإنتاج.
وتكشف هذه التطورات أن التحول في مزيج الطاقة الأوروبي لا يعتمد فقط على التكاليف النسبية للفحم والغاز، بل أيضًا على حجم القدرات المتاحة فعليًا، وسرعة توسع الطاقة المتجددة، وقدرة الشبكات على تخزين الكهرباء وموازنة تقلبات الإنتاج.
