مع اقتراب موعد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP30) في مدينة بيليم البرازيلية، تتكشف ملامح مفارقة مؤلمة في مشهد التمويل المناخي العالمي: الدول الأكثر هشاشة أمام تغيّر المناخ هي الأقل قدرة على الوصول إلى التمويل المخصص لمواجهته.
فعلى الرغم من اتفاق المجتمع الدولي على أن الدول الجزرية الصغيرة النامية (SIDS) والدول النامية الحبيسة (LLDCs) هي الأكثر عرضة للمخاطر البيئية والاقتصادية، فإن مسار التمويل لا يزال يميل لصالح من يملك بنية مؤسسية أقوى، لا من يعاني أكثر.
فيجي وإسواتيني.. هشاشتان مختلفتان
في أقصى جنوب المحيط الهادئ، تواجه فيجي تهديدًا وجوديًا متصاعدًا مع ارتفاع مستويات البحر وتكرار الأعاصير العنيفة، يبلغ عدد سكانها نحو 930 ألف نسمة فقط، لكنها تحمل أعباء مناخية تفوق قدرات اقتصادها البالغ 6,288 دولارًا للفرد سنويًا.
وعلى بعد آلاف الكيلومترات في قلب إفريقيا، تعاني إسواتيني، الدولة الصغيرة الحبيسة، من جفاف متكرر وفيضانات متقلبة تهدد أمنها الغذائي، في اقتصاد زراعي هش لا يتجاوز دخله الفردي 3,936 دولارًا سنويًا.
ورغم اختلاف الجغرافيا والمخاطر، فإن مؤشر ND-GAIN يمنح الدولتين تقييمًا متقاربًا في مستوى الهشاشة (0.453 لفيجي، و0.448 لإسواتيني).
غير أن الصورة تتبدل جذريًا عندما نضيف البُعد المالي: وفق مؤشر الهشاشة المالية للمناخ (CliF)، تحتل فيجي المرتبة 36 عالميًا، بينما تتراجع إسواتيني إلى 107، ما يكشف عن فجوة مؤسسية وهيكلية حادة في القدرة على امتصاص التمويل وتحويله إلى مشروعات واقعية.
فجوة التمويل.. أرقام تفضح التفاوت
منذ عام 2010، تمكنت فيجي من حشد أكثر من 300 مليون دولار من مصادر متعددة، بينها 73 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر (GCF) لتمويل سبعة مشروعات وطنية وإقليمية، إضافة إلى 3.5 مليون دولار لدعم جاهزيتها المؤسسية.
في المقابل، لم تتجاوز تمويلات إسواتيني من الصندوق 6.5 مليون دولار، مع 5.6 مليون دولار أخرى من مشروع إقليمي، تُستخدم أساسًا لتأهيل مؤسساتها الوطنية – مثل بنك إسواتيني والهيئة البيئية – للحصول على الاعتماد المالي اللازم من الصندوق.
النتيجة واضحة: بينما تخطو فيجي نحو تنفيذ مشروعات مناخية متقدمة، لا تزال إسواتيني في مرحلة بناء الهياكل التنظيمية والإدارية التي تسمح لها بالمنافسة على التمويل.
والمفارقة أن ديون فيجي المرتفعة –التي تبلغ 80.7% من ناتجها المحلي الإجمالي– تجعلها أكثر اعتمادًا على التمويلات الميسّرة والمنح، بينما تمتلك إسواتيني فجوة مالية أوسع (39.7%) تسمح لها نظريًا بمرونة أكبر، لكنها تفتقر إلى الجاهزية المؤسسية لاستثمارها.
إعادة تعريف “الهشاشة” في النظام المالي المناخي
يرى خبراء الكومنولث أن هذه المقارنة لا تعكس مجرد تفاوت في الأرقام، بل أزمة في طريقة احتساب الهشاشة المناخية ذاتها.
فالمعايير الحالية، التي تعتمد في الغالب على الناتج المحلي، تتجاهل البُعد المالي والإداري الذي يشكل الفارق الحقيقي في قدرة الدول على جذب التمويل وتحويله إلى حلول عملية.
ومن هنا تأتي أهمية مبادرة مركز الوصول إلى التمويل المناخي للكومنولث (CCFAH)، الذي يعمل على نشر مستشارين وطنيين للتمويل المناخي في الدول الأعضاء لبناء القدرات البشرية والمؤسسية، وتطوير مشروعات قابلة للتمويل.
وعلى مدار العقد الماضي، ساهم هذا النموذج في تعبئة أكثر من 500 مليون دولار أمريكي لصالح دول الكومنولث، وتدريب نحو 4,000 مسؤول حكومي عبر 160 برنامجًا لبناء القدرات، ما يعزز قدرة هذه الدول على النفاذ إلى التمويل العادل والمستدام.
العدالة المناخية تبدأ من العدالة المالية
بين شواطئ فيجي وجبال إسواتيني تتجسد واحدة من أكثر قضايا المناخ إلحاحًا: أن العدالة المناخية لا تتحقق إلا حين يُعاد توزيع التمويل وفقًا للهشاشة الفعلية لا الحسابية.
ومع اقتراب مؤتمر COP30، تتعالى الأصوات المطالبة بأن يُعاد تصميم منظومة التمويل الدولي بحيث تعترف بالواقع الجغرافي والمالي والسياسي للدول الصغيرة، فلا يكون الدعم امتيازًا لمن يملك، بل حقًا لمن يقاوم.
