د.فوزى أبودنيا: تكنولوجيا البذور الاصطناعية ومستقبل الزراعة الحديثة
المدير الأسبق لمعهد بحوث الإنتاج الحيوانى
من المعروف أن البذرة هي بويضة مخصبة تتكون من الجنين الذي يشغل حيزاً صغيراً من حجم البذرة، وتعتبر وسيلة التكاثر في معظم النباتات.
أما الجزء المتبقي من البذرة فهو عبارة عن مواد غذائية مخزنة يحتاج إليها الجنين في مرحلة إنباته الأولى، كما يحاط الجنين والغذاء المخزن بغطاء يسمى غلاف البذرة.
وعند الإنبات ينمو الجنين بشقيه السفلي الذي يتجه إلى أسفل ويخترق التربة مكوناً المجموع الجذري الذي يقوم بعملية امتصاص الماء والغذاء على هيئة أملاح مذابة في مكونات ومركبات التربة، أما الجزء العلوي فيندفع إلى أعلى مكوناً المجموع الخضري باحثا عن الهواء والشمس ومكونا الأوراق التي تقوم بعملية تصنيع الغذاء فيما يسمى بعملية “البناء” أو “التمثيل الضوئي”، وهي عميلة تعجز عنها المصانع المتطورة في كيفية تنظيمها وتعقيدها
ويستمد الجنين غذاءه في هذه المرحلة من المخزون المحيط به والذي يسمى بالسويداء أو الإندوسبرم، سواءً كان في فلقة واحدة أو فلقتين أو أكثر.
ويتكون الإندوسبرم من مواد كربوهيدراتية وبروتينية ودهون تختلف باختلاف النبات، كما يقوم الغلاف الذي يغطي الجنين والغذاء المخزن معا بحماية الجنين من الخدوش والإصابات والجفاف ويُبقي على البذرة حية إلى حين تبدأ عملية إنباتها.
و مما لا شك فيه ان للبذور فوائد عدة حيث تعتبر حجر الأساس في الزراعة.
كما إن صغر حجم البذور يجعل منها طريقة سهلة للتداول والزارعة والنقل، كما إنها أرخصُ كلفةً مقارنة بأنواع التكاثر الأخرى مثل التكاثر “بالعقل” و “الشتلات”.
من ناحية أخرى فإن قوة الغلاف المحيط بها يجعلها أكثر صموداً أمام التأثيرات والعوامل الخارجية الذي بدوره يسهل من تخزينها والاحتفاظ بها لفترات طويلة.
فى الآونة الأخيرة تمكن علماء النبات من استنباط تقنية حديثة لإنتاج ما يسمى بالبذور الاصطناعية. والبذور الاصطناعية هي عبارة عن كبسولات صناعية لأجنة جسمية (ثنائية القطب) او قمم نامية او براعم أو أي نسيج مرستيمي (أحادية القطب) , تحاكي البذور الطبيعية من حيث قابليتها على التخزين او تطورها الى نبات كامل بعد زراعتها في بيئات مناسبة وظروف النمو المثلى.
واحدة من أكثر التقنيات المتطورة
تعتبر تقنية البذور الاصطناعية واحدة من أكثر التقنيات المتطورة في مجال علم النبات في الآونة الأخيرة حيث تمكن العلماء من حث الخلايا الجسمية لتكون الأجنة بدلا من الحبوب، حيث نجحوا في محاكاة الطبيعة باستخدام التقنيات الحديثة، وذلك بالتحكم في مستوى الهرمونات النباتية والظروف البيئية من إضاءة وحرارة، والعناصر المغذية، ونوعية الجزء النباتي المنفصل (جزء يتم استئصاله من أي نسيج نباتي)، والذي يعتمد بدوره على العوامل الوراثية الخاصة بكل نبات، وظروف أخرى عديدة اثناء زراعة الخلايا والأنسجة النباتية في مستنبتات غذائية اصطناعية معقمة في المعامل الخاصة بزراعة الأنسجة.
وتختلف هذه الطريقة عن الطريقة الطبيعية لتكوين البذور من حيث البداية والنوعية، فتبدأ البذرة الطبيعية عادة بخلية وحيدة مشيجية (البويضة)، تحتوي على نصف المجموعة الصبغية للنبات الأم ويتم تلقيحها بإحدى خلايا حبوب لقاح الطلع للنبات الأب الذي يحتوي على نصف المجموعة الصبغية أيضا، ومن ثم يتكون الزيجوت (خلية ملقحة) حاويا لمجموعة صبغية كاملة للنبات (٢ ن)، نصفها من النبات الأم والنصف الآخر من النبات الأب، لتعطي في النهاية نباتا جديدا صغيرا (البذرة) الذي يأتي هجينا وسطا بينهما (هذه التفسيرات والشرح لغير الزراعيين المتخصصين).
بداية مختلفة
أما البذور الاصطناعية فتبدأ بداية مختلفة تماما، فتبدأ بخلية جسمية عادية من أي مكان بالنبات كالورقة او الجذر أو الساق، ثم يتم حثها لتكوين أجنة بدون تلقيح بالتحكم في الظروف السابق سردها انفا، لتكوين أجنة جسمية تشابه مثيلاتها الطبيعية في الشكل والوظيفة ولكن تختلف عنها في كونها مطابقة تماما لخلايا النبات (عملية استنساخ)، ولا تحتاج الى تلقيح.
ولقد تطورت التقنية الخاصة بالتخليق الجسمي للأجنة في أنابيب الاختبار، والتي تماثل الطريقة الطبيعية وطريقة زراعة الأنسجة، من حيث أنها تبدأ بخلية واحدة تنقسم انقسامات متتالية لتعطي كتلة من الخلايا تعرف بالطور الكروي، ثم تتطور لطور يشبه القلب (الطور القلبي).
وتتكون الأجنة الجسمية بطريقة مباشرة من الجزء النباتي المنفصل، او بطريقة غير مباشرة من الكالوس، أو معلقات الخلايا المفردة.
وقد تمكن العلماء في الوقت الحالي من إنتاج الأجنة الجسمية بالمعمل من مجموعة كبيرة من النباتات وطوروا طرقا عديدة لفصل هذه الأجنة في مراحل معينة، وتم كساؤها بمواد كيميائية صناعية وإضافة بعض المواد المغذية والمطهرة لتكون في النهاية بذورا اصطناعية من الممكن تداولها واستخدامها عوضا عن البذور الطبيعية، دون الحاجة الى تكرار زراعتها لعدة مرات للحفاظ عليها.
مستقبل المزارع العصري
ويأخذ شكل البذور الاصطناعية شكلا أشبه بالعقد، الذي تحتوي كل حبة منه على جنين نباتي قادر على النمو والتطور إلى نبات كامل.
ويمكننا أن نتخيل مستقبل المزارع العصري، حيث سيحصل على البذور في عبوات حديثة تشابه عبوات الدواء، تتجمع بها البذور مثل حبات الأسبرين او كبسولات المضادات الحيوية.
الشاهد هنا إن تطور هذه التقنية لتتم بشكل أكثر نجاحا وأقل كلفه وأسرع تداول واستخدامها بصورة أكثر سهولة يمكن أن ينطلق بالزراعة إلى آفاق مستقبلية أكثر ازدهارا يمكن معها التغلب على عقبات كثيره لكثير من المحاصيل خاصة فى ظل أزمة الغذاء العالمي والجهود المبذولة لتحقيق الأمن الغذائي للبشر.
وهل يمكن لمصر باستخدام مثل هذه التقنية التغلب على مشكلة استيراد التقاوي خاصة الخضار من الخارج.





