بعد مرور أكثر من نصف قرن من الزمان على توقيع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في عام 1971م على قانون السرطان الوطني، الذي أطلق عليه “الحرب على السرطان”، لا يزال السرطان هو السبب الرئيسي الثاني للوفاة في الولايات المتحدة.
وبالرغم من تدفق مليارات الدولارات من دافعي الضرائب الأمريكيين نحو الأبحاث التي تهدف إلى هزيمة هذا المرض الفتاك على مدي خمسة عقود متتالية، فشلت أمريكا كغيرها من الدول المتقدمة تقنيا، فشلا مذهلا في إيجاد علاج ناجع لهذا المرض.
وباتت أساليب الوقاية منه محدودة، ذلك رغما عن تنامي الاستراتيجيات غير الفعالة القائمة على استخدام حيوانات التجارب معمليا حول العالم لمحاولة القضاء عليه.
فضلا عن تبني المعهد القومي للسرطان بأمريكا (National Cancer Institute) محاولات عدة لشن حرب ممنهجة علميا على السرطان.
الاختلافات البيولوجية والمناعية بين الإنسان والحيوان
ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى الاختلافات البيولوجية الأساسية بين البشر والحيوانات، والتي تؤدي إلى معدل فشل عقاقير السرطان بنسبة تصل إلى 96.6٪ في البشر برغم نجاحها على الحيوانات بنسب واعدة، وصلت إلى 90%.
وبغض النظر عن نوع التجربة، ومدى تعقيد تصميمها، وتكلفتها، لم يتمكن العلماء من التغلب على الاختلافات البيولوجية والمناعية بين الإنسان والحيوان، مما قاد الدكتور ريتشارد كلاوسنر مدير المعهد القومي للسرطان الأسبق، للتلويح بالراية البيضاء من خلال مقولته: “كان تاريخ أبحاث السرطان تاريخا في علاج السرطان لدى الفئران”، “لقد عالجنا الفئران من السرطان لعقود – وببساطة لم ينجح هذا في البشر”.
وكما نعلم جمعيا أن السرطان ينشأ عن تحول خلايا عادية إلى أخرى ورمية في عملية متعددة المراحل تتطور عموما من آفة سابقة للتسرطن إلى ورم خبيث، وهذه التغيرات ناجمة عن التفاعل بين العوامل الوراثية للشخص وثلاث فئات من العوامل الخارجية، منها ما يلي:
– العوامل المادية المسرطنة، مثل الأشعة فوق البنفسجية والأشعة المؤينة.
– العوامل الكيمائية المسرطنة مثل الأسبستوس، الكحولات والتبغ بأنواعه، الأفلاتوكسين (أحد الملوثات الغذائية الفطرية) والزرنيخ (أحد ملوثات مياه الشرب).
– العوامل البيولوجية المسرطنة (الالتهابات الناتجة عن الإصابة بالفيروسات أو البكتريا أو الطفيليات).
20 مليون شخصا مصابا بالسرطان
وتشير إحصائية منظمة الصحة العالمية 2021- 2022م إلى وجود أكثر من 20 مليون شخص مصاب بالسرطان، ويعد مرض السرطان أحد الأسباب الرئيسية للوفاة حول العالم، حيث أزهق أرواح ما يقارب من 10 ملايين نسمة في عام 2020م، بمعدل وفاة واحدة من كل 6 وفيات.
ويصل عدد الأطفال المصابين بالمرض حول العالم إلى رقم مفزع، حوالي 400 ألف حالة سنويا، وتختلف أنواع السرطان الأكثر شيوعا بين البلدان، وأهمها:
– سرطان الثدي (2.26 مليون حالة، بمعدل 685000 حالة وفاة).
– سرطان الرئة (2.21 مليون حالة، بمعدل 1.8 مليون حالة وفاة).
– سرطان القولون والمستقيم (1.93 مليون حالة، بمعدل 916000 حالة وفاة).
– سرطان البروستاتا، ينتشر فى 96 دولة حول العالم (1.41 مليون حالة، بمعدل 56000 حالة وفاة).
– سرطان الجلد غير الميلانوما (1.2 مليون حالة، بمعدل 49000 حالة وفاة).
– سرطان الميلانوما (160000 حالة، بمعدل 31000 حالة وفاة).
– سرطان المعدة (1.09 مليون حالة، بمعدل 769000 حالة وفاة).
– سرطان عنق الرحم، من أكثر أنواع السرطان شيوعا فى 23 بلدا حول العالم (604000 حالة، بمعدل 304000 حالة وفاة، 90% منها بدول العالم المتوسط والمنخفض الدخل).
تأثير تغير المناخ سيكون أكثر فتكا من السرطان
هذا وكشفت دراسة أممية جديدة، عن أن تأثير تغير المناخ سيكون أكثر فتكا من السرطان في بعض أنحاء العالم.
وأظهرت بيانات جديدة أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومختبر تأثير المناخ أنه إذا ظلت انبعاثات الكربون مرتفعة فإن تأثير تغير المناخ على الصحة سيكون أكثر فتكا بمقدار مرتين من السرطان في بعض دول العالم، وفقا لبيان أوردته الأمم المتحدة على موقعها الإلكتروني.
وأشارت الدراسة إلى أنه في دكا عاصمة بنجلاديش -على سبيل المثال-في حالة استمرار انبعاثات الكربون العالية فبحلول عام 2100م، يمكن أن يرتفع معدل الوفيات بسبب تغير المناخ إلى ما يقرب من ضعف معدل الوفيات السنوي الحالي من جميع أنواع السرطان، و10 أضعاف الوفيات السنوية الناجمة عن حوادث الطرق.
وأوضحت أنه بسبب الإجراءات البشرية فإن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي يصل إلى مستويات خطيرة مما يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة الأرض وهو ما يضع نظام القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي تحت الضغط في جميع أنحاء العالم ولكن النتائج ستختلف بين الأماكن وفقا للمجتمعات التي لديها الموارد للتكيف والمجتمعات التي لا تمتلك هذه الموارد.
وفى الوقت ذاته تعلو تحذيرات منظمة الصحة العالمية بضرورة التوسع في الخدمات الخاصة بالسرطان في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
وتحذر المنظمة من استمرار الاتجاهات الحالية الذي سيؤدي إلى زيادة بنسبة 60% في حالات السرطان في العالم خلال العقدين القادمين.
وسيحدث أكبر قدر من الزيادة (ما يقدر بنحو 81%) في الحالات الجديدة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي تبلغ فيها معدلات البقاء على قيد الحياة أدنى مستوياتها.
حملات مناهضة لاستخدام حيوانات التجارب
وفى إطار الحملات المناهضة لاستخدام حيوانات التجارب، تحت شعار الحيوانات ليست بشرا مصغرا، حيث أنه لأكثر من خمسة عقود تمت التجارب غير الفعالة والقاسية والمميتة على الحيوانات، والتي تكلف دافعي الضرائب مليارات الدولارات، دونما تحقيق العائد المرجو منها.
ويتم ذلك عن طريق تطعيم خلايا الورم البشرية للفئران، أو حقن الحيوانات بمواد كيميائية، أو هندستها وراثيا للحصول على جينات مسببة للسرطان، ثم قتلهم أو السماح لهم بالمعاناة والموت ببطء.
كما تُستخدم الحيوانات أيضا لمحاولة تحديد ما إذا كانت مبيدات الآفات والمضافات الغذائية والمستحضرات الصيدلانية قد تسبب السرطان لدى البشر.
في كل اختبار، يُجبر المئات من الفئران والجرذان على تناول أو استنشاق مواد كيميائية كل يوم طيلة فترات التجارب المختلفة، مما يسبب لهم الغثيان والأورام والموت. ومع ذلك تفشل هذه الاختبارات في تحديد مسببات السرطان المحتملة للإنسان بدقة أو حماية صحة الإنسان.
والحقيقة أن إجراءات الوقاية أدت إلى خفض المعدلات الإصابة بالسرطان، وذلك طبقا لتقرير المعهد الوطني للسرطان 2019م، بنسبة وصلت إلى 27٪ خلال العقدين الماضيين. واعتبرت الوكالة الفيدرالية التابعة للمعاهد الوطنية للصحة التي تقود الحرب على السرطان، وليس التجارب على الحيوانات، أن أهم الانتصارات في الحرب على السرطان لم تأت من المختبر بل من اتباع إجراءات الوقاية، والتي بدورها سوف تؤدي إلى خفض معدلات الإصابة بالسرطان.
وبالفعل قد تكون هناك طريقة أمثل لشن حرب حقيقية ومنظمة وناجحة على السرطان من خلال محاور عدة أهمها: الكشف المبكر والتشخيص السليم، مع محاولة الحفاظ على بيئة خالية من الملوثات وفهم أوعى لطريقة تأثير البيئة على صحة الإنسان، مع تضافر جهود العلماء حول الجينوم البشري واختلافاته والتوسع فى استخدام المعلوماتية الحياتية في التشخيص والذكاء الاصطناعي في العلاج.
البيولوجيا البشرية
فضلا عن زيادة الموارد كافة للوقاية من السرطان، والقضاء على التجارب على الحيوانات، وتحويل أموال الأبحاث إلى أدوات متطورة قائمة على البيولوجيا البشرية، والتي تُظهر وعودا أكبر بكثير في تحديد المركبات المسببة للسرطان وتوليد العلاجات بصفة عامة والعلاجات لمرض السرطان بصفة خاصة وتطوير أدوات مثل التجارب المستندة إلى الخلايا (في المختبر)، ونماذج الكمبيوتر ذات الصلة بالإنسان، وهندسة الأنسجة البشرية، وعضويات السرطان، ودراسات أعمق لعلم الأوبئة والعمل الجاد من أجل التنمية المستدامة والرفاهية.
