اكتشاف جديد يوضح كيف يتعلم جهاز المناعة تقبل الطعام
البروتينات الصغيرة تقود جهاز المناعة لتجنب حساسية الطعام.. سر قدرة الجسم على التمييز بين الطعام والخطر
كيف يعرف الجسم أن البسكويت غذاء وليس تهديدًا؟ في كل وجبة أو وجبة خفيفة، يواجه جهاز المناعة خيارًا مهمًا: إما قبول الطعام أو التعامل معه كخطر. في معظم الحالات، يتخذ الجسم القرار الصحيح ويسمح للطعام بالمرور بأمان عبر عملية الهضم. يُعرف هذا النظام باسم التسامح الفموي (Oral Tolerance).
أظهرت دراسة جديدة قادها علماء من جامعة ستانفورد كيفية عمل هذه العملية، واكتشف الباحثون أجزاءً صغيرة من بروتينات الطعام ترسل إشارات تهدئ جهاز المناعة، ما يساعد الجسم على التعرف على الأطعمة الآمنة، ويمهد الطريق لعلاجات مستقبلية لحساسية الطعام.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة Science Immunology.
فهم قرار الجسم
يُدخل الطعام الجسم عدة مرات يوميًا، ومع ذلك يتجنب جهاز المناعة عادة مهاجمته. وبدلًا من ذلك، يتعلم الجهاز تحمله.
اكتشف فريق البحث أجزاء بروتينية محددة في الطعام تتواصل مع خلايا المناعة، وتوضح لها أن بعض الأطعمة غير ضارة.
دور خلايا T التنظيمية
يحتوي جهاز المناعة على أنواع متعددة من الخلايا التي تعمل معًا لحماية الجسم، إحدى هذه المجموعات تُسمى خلايا T التنظيمية، وتعمل كالوسيط السلمي، فتمنع الالتهاب وتساعد على تحمّل الأجسام غير الضارة مثل الطعام.
وكان معروفًا أن خلايا T التنظيمية تلعب دورًا مهمًا في التسامح الفموي، لكن لم يُعرف البروتينات الغذائية التي تنشط هذا الاستجابة.
كيفية حدوث حساسية الطعام
تحدث حساسية الطعام عندما يخطئ جهاز المناعة ويعتبر الطعام تهديدًا، فيطلق رد فعل دفاعي. ويصاب حوالي 6٪ من الأطفال و3–4٪ من البالغين بحساسية غذائية، وغالبًا بسبب الفول السوداني، البيض، الصويا، وغيرها.
خلال رد الفعل التحسسي، تتعرف الأجسام المضادة على بروتينات الطعام وتفعّل خلايا مثل الحمضية والخلايا البدينة لإطلاق مواد تسبب الالتهاب وأعراض الحساسية.

اكتشاف إشارات التسامح
درس الباحثون فئرانًا تتناول نظامًا غذائيًا طبيعيًا، وفحصوا خلايا T التنظيمية لمعرفة البروتينات التي تتعرف عليها. كشف البحث عن ثلاث مستضدات صغيرة (Epitopes) من أطعمة نباتية مختلفة: واحدة في الذرة، وأخرى في القمح، وثالثة في الصويا، جميعها من بروتينات البذور.
كان بروتين الذرة الأكثر قدرة على تنشيط خلايا T التنظيمية، بينما أظهر بروتين الصويا قدرة على التفاعل أيضًا مع بروتينات السمسم، ما يفسر جزئيًا كيف يمكن لتسامح مع طعام معين أن يمتد لآخر.
مكان عمل خلايا المناعة
أظهرت التجارب أن معظم خلايا T التنظيمية تعيش في الأمعاء، حيث يدخل الطعام الجسم. ويؤثر البيئة المعوية على سلوك هذه الخلايا، فتعمل على تهدئة الالتهاب واستعادة التوازن عند ظهور اضطرابات، مما يمنح الجهاز المناعي مرونة في استجاباته.
مستقبل خالٍ من حساسية الطعام؟
فتح اكتشاف هذه المستضدات النباتية آفاقًا جديدة لعلاج الحساسية، عبر تصميم خلايا T تنظيمية تتعرف على بروتينات محددة وتشجع التسامح، ما قد يقلل أو يمنع ردود الفعل التحسسية.
وقالت الدكتورة جيمي بلوم: “النظام الغذائي هو أكثر تفاعل حميم مع بيئتنا، والتعرف الصحيح على الأطعمة الآمنة يخلق بيئة مضادة للالتهاب لدعم امتصاص العناصر الغذائية ومنع الحساسية”.

خطوات البحث القادمة
يأمل العلماء الآن تطبيق النتائج على البشر، وقد طور الفريق أداة لتتبع هذه البروتينات الغذائية، ما يمكّن باحثين آخرين من دراسة التسامح الفموي بالتفصيل.
حتى الآن، يبدو كل وجبة بسيطة، لكن جهاز المناعة يؤدي مهمة رائعة خلف الكواليس، واكتشاف هذه الإشارات يقرب العلم من فهم كيفية قبول الجسم للأطعمة بأمان.





