أخبارالمدن الذكية

16 مليون شخص فقدوا ساعات من شمس الشتاء.. كيف تحرم ناطحات السحاب سكان المدن من الضوء؟

بناء أعلى يعني شمسًا أقل.. هل تدفع الأحياء القديمة ثمن الأبراج الشاهقة من ضوء الشمس؟

كشفت دراسة علمية شملت 77 مدينة صينية أن التوسع العمراني وارتفاع المباني خلال العقود الماضية قلّصا ساعات التعرض المباشر لأشعة الشمس الشتوية في مساحات واسعة من الأحياء القديمة، مع تقديرات تشير إلى تأثر نحو 16 مليون شخص يعيشون في الطوابق الأرضية بمناطق شهدت تراجعًا في ضوء الشمس.

وأظهرت النتائج أن نحو 36% من الأراضي الواقعة داخل الأحياء القديمة التي شملتها الدراسة أصبحت تحصل على قدر أقل من أشعة الشمس المباشرة خلال الانقلاب الشتوي في عام 2020 مقارنة بعام 1990، في انعكاس لتأثير المباني الجديدة في مسارات الظلال داخل المدن.

وتسلط الدراسة الضوء على تحدٍ مهم في التخطيط الحضري: فزيادة الكثافة السكانية والتوسع الرأسي قد يساعدان المدن على استيعاب أعداد أكبر من السكان، لكنهما قد يقلصان وصول أشعة الشمس إلى الشوارع والمباني القائمة إذا لم تُراعَ المسافات بين الأبراج وارتفاعاتها وتصميماتها.

ساعات أقل من الشمس في الأحياء القديمة

أجرى الدراسة باحثون من جامعة تشجيانج الصينية وجامعة واشنطن، من بينهم كيتشاو وانج وتزو هسين كارين تشين وو شياو، ونُشرت نتائجها في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences.

حلل الفريق 77 مدينة كبيرة في البر الرئيسي للصين، كانت المناطق العمرانية المبنية في كل منها قد بلغت مساحة لا تقل عن 50 كيلومترًا مربعًا بحلول عام 1990.

واعتمد الباحثون على بيانات ثلاثية الأبعاد لارتفاعات المباني وحدودها في عام 2020، ثم أعادوا بناء صورة تقديرية للبيئة العمرانية في عام 1990، لمقارنة التغيرات التي طرأت على وصول أشعة الشمس إلى المناطق التي كانت قائمة بالفعل في ذلك الوقت.

نجاح التنمية العمرانية لا ينبغي أن يُقاس بعدد المباني أو الوحدات السكنية وحده
نجاح التنمية العمرانية لا ينبغي أن يُقاس بعدد المباني أو الوحدات السكنية وحده

وركز التحليل على يوم الانقلاب الشتوي، عندما تكون الشمس في أدنى مسار ظاهري لها في السماء خلال العام، وتكون الظلال طويلة نسبيًا. وتتبع الباحثون الظلال خلال الفترة من التاسعة صباحًا إلى الثالثة عصرًا، عند نقاط تقع على ارتفاع نحو 1.5 متر فوق سطح الأرض، بمحاذاة الجدران المواجهة للجنوب في المباني التي كانت موجودة قبل عام 1990.

وأظهرت النتائج أن متوسط ساعات أشعة الشمس المباشرة في المناطق التي شهدت تراجعًا انخفض من 5.37 ساعة في عام 1990 إلى 3.75 ساعة في عام 2020، أي بتراجع يبلغ نحو ساعة و37 دقيقة في المتوسط.

وتراوحت الخسائر بين أكثر قليلًا من ساعة ونحو ساعتين ونصف الساعة، وفقًا للمدينة. وفي بعض المواقع، تراجع التعرض للشمس من ست ساعات إلى ساعة واحدة فقط.

1525 كيلومترًا مربعًا تحصل على أقل من ساعتين من الشمس

لم يقتصر التراجع على انخفاض متوسط ساعات الإضاءة، بل امتد إلى زيادة المساحات التي لا تحصل على الحد الأدنى الذي استخدمه الباحثون معيارًا لتوافر ضوء الشمس الشتوي.

فقد أظهرت الدراسة أن نحو 7% من الأراضي في الأحياء القديمة انتقلت إلى مستوى أقل من ساعتين من أشعة الشمس المباشرة خلال الفترة بين عامي 1990 و2020.

وبحلول عام 2020، كانت نحو 17.7% من الأراضي التي شملها التحليل، بمساحة بلغت 1525 كيلومترًا مربعًا، تحصل على أقل من ساعتين من أشعة الشمس المباشرة في يوم الانقلاب الشتوي.

واستخدم الباحثون ساعتين من ضوء الشمس المباشر معيارًا مرجعيًا لتقييم كفاية التعرض للشمس، وهو معيار تحليلي في الدراسة، وليس حكمًا طبيًا بأن كل موقع يقل عن هذه المدة يسبب ضررًا صحيًا.

وتوضح هذه النتائج أن التغير في شكل المدينة لا يقتصر على المشهد العمراني أو عدد الوحدات السكنية، بل قد يعيد توزيع الضوء الطبيعي بين الأحياء، بحيث تستفيد بعض المواقع من التطوير الجديد بينما تفقد مواقع أخرى جزءًا من ساعات تعرضها للشمس.

الحر الشديد يُفرغ شوارع المدن بصمت
16 مليون ساكن في مناطق تراجعت فيها أشعة الشمس

16 مليون ساكن في مناطق تراجعت فيها أشعة الشمس

لتقدير عدد السكان المتأثرين، جمع الباحثون بيانات المباني مع خرائط سكانية أعدتها مؤسسة «وورلد بوب» المتخصصة في نمذجة التوزيع الجغرافي للسكان.

واعتمد التقدير على افتراض توزيع السكان بالتساوي بين طوابق المباني، ثم احتساب المقيمين في الطابق الأول، وهو المستوى الذي استهدفه نموذج قياس الظلال.

وبناءً على هذه المنهجية، قدّر الباحثون أن نحو 16 مليون شخص يعيشون في الطوابق الأولى بمناطق شهدت تراجعًا في ساعات أشعة الشمس الشتوية. ومن بينهم نحو 610 آلاف شخص يقيمون في مواقع فقدت ما بين ثلاث وست ساعات من التعرض للشمس.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن الباحثين قاسوا ساعات الشمس عند نوافذ منازل هؤلاء السكان بصورة مباشرة، كما أنها لا تثبت أن جميعهم تعرضوا للقدر نفسه من الانخفاض؛ فهي تقديرات مكانية وسكانية مبنية على نماذج وافتراضات.

وكشفت الدراسة أيضًا عن اختلاف الخسائر وفقًا لاستخدامات الأراضي. فقد سجلت المناطق التجارية أكبر انخفاض متوسط في ساعات الشمس لكل موقع، بنحو ساعتين، بينما شكّلت الأراضي السكنية الحصة الأكبر من إجمالي المساحات التي تراجعت فيها أشعة الشمس، بمساحة تقارب مجموع المساحات المتأثرة في فئات استخدام الأراضي الخمس الأخرى.

لماذا كانت المدن الشمالية أكثر تضررًا؟

أظهرت المقارنة أن المدن الواقعة شمالًا سجلت خسائر أكبر في التعرض للشمس الشتوية، وهو ما يرتبط بانخفاض مسار الشمس في السماء كلما اتجهنا شمالًا، الأمر الذي يجعل المباني المرتفعة تلقي بظلال أطول.

وسجلت مدينة تشانغتشون أقصر متوسط للتعرض المباشر للشمس الشتوية في عام 2020، عند 1.72 ساعة، بينما سجلت بكين أطول متوسط بين المدن المذكورة في الدراسة، بلغ 5.54 ساعة.

ويربط الباحثون وضع بكين جزئيًا بوجود قيود تاريخية على ارتفاع المباني والحفاظ على أجزاء من نسيجها العمراني القديم، بما يوضح كيف يمكن لقواعد البناء أن تؤثر في وصول الضوء الطبيعي إلى الأحياء القائمة.

كما لم تكن المدن الأكبر هي الأكثر تضررًا بالضرورة. فالمدن الاثنتا عشرة التي يزيد عدد السكان في مراكزها القديمة على 1.5 مليون نسمة سجلت أقل نسبة من الأراضي المتأثرة، بمتوسط يقارب 25%.

وبلغت النسبة 8.6% في بكين و17.4% في شنغهاي، بينما ارتفع المتوسط إلى نحو 40% في المدن المتوسطة التي يتراوح عدد السكان في مراكزها القديمة بين 500 ألف و1.5 مليون نسمة.

وفي مدينة خفي، بلغت نسبة الأراضي المتأثرة 61.7%، مقابل 56.6% في تشانغشا.

ويرى الباحثون أن موجة التنمية الاقتصادية وإعادة التطوير العمراني التي تسارعت منذ إصلاحات السوق في تسعينيات القرن الماضي ساهمت في زيادة البناء داخل المناطق القديمة وارتفاع المباني، بما أدى إلى اتساع نطاق الظلال في هذه المدن.

الضوء الطبيعي والنوم والصحة.. ما الذي نعرفه؟

لا تقتصر أهمية ضوء النهار على الراحة البصرية؛ فالضوء الطبيعي يؤدي دورًا في تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، التي تساعد على ضبط دورات النوم واليقظة، كما ربطت أبحاث سابقة بين التعرض المناسب للضوء الطبيعي وبعض مؤشرات النوم والرفاه النفسي.

لكن الدراسة الحالية لم تقِس النوم أو الحالة المزاجية أو الصحة لدى السكان، ولذلك لا يمكن اعتبار نتائجها دليلًا مباشرًا على أن فقدان ساعات من شمس الشتاء أدى إلى تدهور صحتهم.

وما تثبته الدراسة أساسًا هو حدوث تغير في فرص التعرض المباشر للشمس في مواقع عمرانية محددة، وليس حجم التأثير الصحي الناتج عن هذا التغير. ويتطلب تحديد العواقب الصحية دراسات إضافية تقيس الإضاءة داخل المنازل وأنماط التعرض الفعلية للشمس وسلوك السكان ومؤشراتهم الصحية.

الضوء الطبيعي والنوم والصحة.. ما الذي نعرفه؟

هل يمكن تصميم مدن أكثر كثافة دون خسارة الشمس؟

لا يدعو الباحثون إلى التخلي عن الكثافة العمرانية أو وقف البناء الرأسي، بل يشيرون إلى أهمية إدماج الوصول إلى ضوء الشمس ضمن قرارات التخطيط والتصميم.

ومن الخيارات التي يطرحها هذا التوجه تصميم أبراج أقل عرضًا، وزيادة المسافات الفاصلة بين المباني، واستخدام التصميمات المتدرجة التي تقلل امتداد الظلال على المناطق المحيطة.

كما يشير الباحثون إلى وجود أعداد كبيرة من المساكن الشاغرة في مدن صينية، وهو ما يفتح تساؤلًا بشأن مدى الحاجة إلى بعض أنماط التوسع الجديد، خصوصًا عندما تكون إعادة استخدام المباني القائمة أو تحسين توزيع الوحدات السكنية بدائل ممكنة.

ومع ذلك، فإن الدراسة لا تقدم تقييمًا تفصيليًا لتكلفة هذه الحلول أو مدى جدواها في كل مدينة، وإنما تشير إلى أن بعض خسائر ضوء الشمس قد يكون بالإمكان تجنبها من خلال تخطيط عمراني أكثر مراعاة للبيئة المبنية القائمة.

هل يمكن تصميم مدن أكثر كثافة دون خسارة الشمس؟
هل يمكن تصميم مدن أكثر كثافة دون خسارة الشمس؟

حدود الدراسة.. ما الذي لا تقوله الأرقام؟

اعتمد التحليل على نموذج حاسوبي يقسم المساحة إلى خلايا يبلغ عرضها نحو خمسة أمتار، وهو ما يعني أنه لا يلتقط كل التفاصيل الدقيقة التي تؤثر في الضوء، مثل الشرفات وبروزات المباني والأشجار والضوء المنعكس.

كما اقتصر القياس على أشعة الشمس المباشرة خلال يوم واحد في الشتاء، ولم يشمل ساعات الإضاءة الطبيعية على مدار العام أو كمية الضوء داخل الغرف أو تأثير الغيوم والظروف الجوية.

كذلك فإن إعادة بناء المشهد العمراني لعام 1990 كانت تقديرية، وليست سجلًا كاملًا لكل مبنى وارتفاعه في ذلك الوقت. أما تقديرات السكان، فاستندت إلى نماذج توزيع جغرافي، لا إلى بيانات تفصيلية تحدد مكان كل أسرة داخل المبنى واتجاه نوافذها.

ولهذا، فإن النتائج تقدم صورة واسعة عن العلاقة بين نمو المدن وفقدان ضوء الشمس الشتوي، لكنها لا تعني أن كل سكان الطوابق الأرضية تأثروا بالدرجة نفسها، ولا يمكن تعميم نسب الخسائر الواردة على جميع المدن في العالم.

وتدعو الدراسة إلى إعداد خرائط تفصيلية على مستوى المدن تحدد الأماكن التي فقدت أشعة الشمس والفئات السكانية الأكثر تعرضًا لذلك، بما يساعد المسؤولين على وضع ضوابط أكثر دقة لارتفاع المباني والمسافات بينها عند تجديد الأحياء القديمة.

والرسالة الأساسية هي أن نجاح التنمية العمرانية لا ينبغي أن يُقاس بعدد المباني أو الوحدات السكنية وحده، بل بقدرة المدينة أيضًا على توفير بيئة معيشية جيدة، والحفاظ على الضوء الطبيعي والخصائص الأساسية للأحياء التي يعيش فيها السكان.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة