-
تقرير تحليلي: كيف تحاول أثيوبيا فرض الأمر الواقع في ملف سد النهضة؟
كتب د. محمد نصر علام، وزير الري الأسبق، تقريرًا عبر صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي، حول حفل افتتاح السد الإثيوبي.
ملخص البوستات السابقة حول سد النهضة يمكن تجميعها على النحو التالي:
-
يتساءل البعض عن التوربينات التي لم تُركب بعد في السد، كدليل على عدم اكتمال بنيانه، ومن وجهة نظري فإن هذا لا يهم مصر كثيرًا؛ فما يهمنا حقًا هو كمية المياه المحتجزة أمام السد، خصمًا من حصتي مصر والسودان. وما تزعمه إثيوبيا بأنه تم ملء السد ولم تتأثر مصر والسودان يعود إلى أن السنوات السابقة كانت فيضاناتها أعلى من المتوسط، والمياه الزائدة تم احتجازها في السد الإثيوبي بدلًا من احتجازها في بحيرة السد العالي. ويجب ألا نغفل أن فواقد التخزين المائي من تبخر ورشح من السد، والتي تُقدر بحوالي 5 مليارات متر مكعب سنويًا، تمثل خصمًا سنويًا من حصتي مصر والسودان.
-
ما قلل من تداعيات ملء السد على مصر، هو السياسات المائية التي اتخذتها الدولة لتقليل فواقد نقل المياه في الترع، ومعالجة مياه الصرف الزراعي، وهي إجراءات كلفت مصر عشرات المليارات من الدولارات.
د.محمد نصر علام وزير الري الأسبق -
قامت إثيوبيا ببناء هذا السد وملئه وتشغيله بطريقة منفردة مخالفة للقانون الدولي. وقد تم الاتفاق سابقًا بين مصر والسودان وإثيوبيا على تكليف مكتب استشاري دولي لدراسة تداعيات السد، ولم تلتزم إثيوبيا بذلك. ثم اقترحت إثيوبيا تكليف خبراء من الدول الثلاث للاتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد بما لا يسبب أضرارًا “ملموسة” لدولتي المصب، لكنها لم تلتزم أيضًا بالتوصل إلى اتفاق.
-
وهذا ليس جديدًا على إثيوبيا، فهي لا تلتزم مع أي من جيرانها في الأنهار المشتركة: كينيا، الصومال، إريتريا، جنوب السودان، ومصر والسودان. مع العلم أن إثيوبيا تُعد نافورة المياه الإفريقية، إذ يسقط عليها أكثر من 1000 مليار متر مكعب من الأمطار سنويًا، إضافة إلى بحيرات عذبة ومخزون جوفي ضخم ومتجدد.
-
مصر مواردها المائية محدودة للغاية، وتتمثل في حصتها من نهر النيل (55.5 مليار متر مكعب سنويًا)، إضافة إلى مخزون جوفي غير متجدد في الصحراء الغربية يتيح استخدام حوالي 3 مليارات متر مكعب سنويًا. نصيب الفرد من المياه في مصر لا يتعدى 500 متر مكعب سنويًا، وهو نصف الحد الأدنى للفقر المائي حسب البنك الدولي. وتعاني مصر من فجوة غذائية تتجاوز مليار دولار سنويًا، ما دفعها لتحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف لتعظيم الموارد.
-
تعود أهداف إنشاء سد النهضة إلى الخمسينيات، كرد فعل على إعلان عبد الناصر مشروع السد العالي، فتقدمت إثيوبيا بشكوى للأمم المتحدة، وفصلت كنيستها عن المصرية، وانضمت للغرب ضد مصر بعد تأميم قناة السويس. وفي أعقاب حرب 1956، أرسل مكتب استصلاح الأراضي الأمريكي بعثة وضعت مخططًا شاملاً لسدود صغيرة على الروافد وأربعة سدود ضخمة على النيل الأزرق للتحكم الكامل فيه.
اتفاق المبادئ بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة – أرشيفية -
تم تطوير هذا المخطط دوريًا، ونُفذ عدد من السدود الصغيرة خلال انشغال مصر بالحروب (1967–1973). وكان سد النهضة في المخطط الأمريكي بسعة 9 مليارات متر مكعب، ثم رُفعت إلى 14.5 مليارًا في مراجعة لاحقة تحت اسم “سد الحدود”. وقد وافقت مصر مبدئيًا عليه عام 2007.
-
في ظل ظروف ثورة 2011، وضعت إثيوبيا حجر الأساس للسد إعلاميًا، وزادت سعته بشكل عشوائي غير مدروس هندسيًا، مع تصميم سد جانبي لغلق وادٍ يصرف مياهه للنيل الأزرق.
-
تشكلت لجنة دولية لتقييم الدراسات الإثيوبية، ووجدت أن معظم الدراسات الهيدرولوجية والإنشائية لا ترقى لمستوى مشروع بهذا الحجم. وتم الاتفاق على إعلان المبادئ وتكليف مكتب استشاري دولي لوضع قواعد الملء والتشغيل، بما يمنع حدوث أضرار ملموسة لدولتي المصب.
-
فشلت جميع جولات التفاوض، سواء عبر الاتحاد الإفريقي أو الوساطة الأمريكية أو حتى مجلس الأمن، بسبب التعنت الإثيوبي، ولم يتم التوصل لأي اتفاق حتى اليوم.
-
ورغم هذا التعنت، أعلنت إثيوبيا عن موعد لافتتاح السد، ودعت مصر والسودان لحضوره، وكأنها تحتفل بتداعياته السلبية. وتزعم بأن السد لم يؤثر على حصة مصر، رغم أنها لا تعترف أصلًا بهذه الحصة التي يفوق تاريخها عمر الدولة الإثيوبية نفسها.
-
الأضرار الحقيقية للسد ستظهر في سنوات الجفاف المتوقع حدوثها قريبًا، حين ينخفض مخزون السد العالي ويتراجع توليد الكهرباء، ثم تبدأ مصر في المعاناة من نقص المياه وعجز في تلبية الاحتياجات.
-
وتقوم إثيوبيا دومًا بأدوار معادية لمصر في كل ما يتعلق بحوض النيل، وآخرها محاولة إحياء مسودة اتفاقية عنتيبي واستقطاب دول الحوض لاستفزاز مصر، في إطار دور مرسوم ضمن مخطط أكبر لضغط على مصر وإشغالها عن تهديدات أخرى.
سد النهضة الإثيوبي -
ليست المشكلة مع إثيوبيا أو دول الحوض بحد ذاتها، بل في إصرار بعض القوى الدولية الكبرى على حصار مصر مائيًا ومنع تقدمها، وتنفيذ ذلك عبر دول الحوض. والدليل ما حدث في نهاية السبعينيات حين سعى السادات لحفر قناة جونجلي، فتفجرت الحرب الأهلية في جنوب السودان، وأوقف المشروع رغم تنفيذه جزئيًا.
-
ومثال آخر، مشروع مبادرة حوض النيل في نهاية التسعينيات وحتى 2010، والذي رُصدت له مليارات الدولارات، وكان هدفه إعادة توزيع الحصص التاريخية لمصر والسودان، ما أدى إلى انسحابهما ورفضهما لمسودة الاتفاقية.
-
جميع دول حوض النيل، عدا مصر وأجزاء من السودان، تتمتع بوفرة مائية وزراعات مطرية وأنهار وبحيرات وبرك ومستنقعات، تُفقد فيها كميات هائلة من المياه بالتبخر والرشح.
